"القوات" والحكومة أمام اختبار الثقة المتبادلة

منذ 28 دقيقة
لم يعد التوتر القائم بين "القوات اللبنانية" وحكومة الرئيس نواف سلام مجرد خلاف عابر حول أداء وزير أو طريقة إدارة ملف من الملفات، بعدما بدأت النبرة ترتفع وتلامس طبيعة العلاقة بين "معراب" والسراي الحكومي، ومدى قدرة الطرفين على الاستمرار في العمل تحت سقف سياسي واحد.
في الظاهر، تبدو أزمة الكهرباء وملف وزارة الطاقة في صلب التجاذب الحالي، ولا سيما مع بروز اسم وزير الطاقة جو الصدي في التداول الإعلامي، وورود اخبار عن احتمال استقالته أو التلويح بها، مع أن "القوات" نفت أن تكون استقالة الصدي أو استقالة وزرائها جميعاً مطروحة حالياً، مؤكدة أن جوهر المشكلة، من وجهة نظرها، هو أن الحكومة تتعامل مع أزمة الكهرباء باعتبارها أزمة وزارة، فيما تراها "القوات" أزمة دولة تحتاج إلى قرار حكومي متكامل وواضح وحاسم.
وهنا تحديداً تكمن أهمية الخلاف. فالمسألة لم تعد فقط حيال قدرة الوزير على تنفيذ خطته؟ بل أصبحت: هل توفر له الحكومة الأدوات والقرار السياسي والتمويل الضروري لكي يتحمل مسؤولية النتائج؟
من هذه الزاوية، يمكن فهم التصعيد القواتي باعتباره محاولة لدفع الحكومة إلى تحمل مسؤوليتها الجماعية، وليس بالضرورة مقدمة للخروج منها.
حتى الآن، لا تبدو "القوات اللبنانية"، بحسب مصادرها، في وارد حرق الجسور مع حكومة سلام. فهذه المصادر تقول بوضوح إن استقالة جميع وزرائها ليست مطروحة، وإن إقالة وزير الطاقة ليست أيضاً أمراً مطروحاً، فيما تبقى خيارات الوزير مفتوحة تبعاً لمسار معالجة الأزمة.
وهذا يعني أن الاستقالة، إذا وصلت الأمور إليها، لن تكون بالضرورة قراراً سياسياً بالانسحاب من الحكومة، بل يمكن أن تتحول إلى وسيلة ضغط لإعادة تحديد المسؤوليات.
فالاستقالة الجماعية في هذه المرحلة ستكون ذات كلفة سياسية مرتفعة على الجميع، وعلى حدّ سواء، كما على "القوات" التي ستنتقل من موقع الشريك إلى موقع المعارضة، كذلك على الحكومة التي ستظهر أمام الرأي العام كأنها عاجزة عن الحفاظ على تماسكها، وعلى البلاد التي تواجه أصلاً استحقاقات أمنية وسياسية واقتصادية بالغة الحساسية. ولذلك تبدو مساحة المناورة واسعة أمام أي تسوية محتملة.
ويسأل السائلون: لماذا يصعب اللجوء إلى تعديل وزاري؟
قد يبدو التعديل الوزاري حلاً وسطاً، أي تغيير بعض الوجوه لامتصاص الاعتراضات، وإعادة إطلاق العمل الحكومي. لكن المعطيات الحالية تشير إلى أن فتح هذا الباب ليس سهلاً.
فالحكومة نالت حديثاً ثقة نيابية بـ68 صوتاً، فيما تكشف النقاشات السياسية أن تغيير وزير واحد قد يفتح الباب أمام مطالب أخرى، خصوصاً أن القوى السياسية المختلفة قد تطالب بإعادة النظر في تمثيلها وحصصها. كما أن "الثنائي الشيعي"، وفق معلومات متداولة، لا يبدو متحمساً لتعديل قد يطال وزراءه. وبذلك يصبح السؤال: هل يستحق تعديل محدود أن يفتح أزمة حكومية واسعة؟
حتى الآن، يبدو أن الجواب السياسي غير واضح، خصوصًا أن الحكومة لا تملك ترف الانقسام، ولكن ما هو أكثر حساسية هو أن هذا السجال يأتي في لحظة لا تشبه الظروف العادية.
فرئيس الحكومة موجود في نيويورك ويجري اتصالات دولية حول لبنان، فيما يستمر التصعيد الإسرائيلي في الجنوب، وتبرز ملفات حصر السلاح بيد الدولة وإعادة الإعمار  والإصلاحات  ومستقبل الوجود الدولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". وقد شدد سلام خلال لقاءاته الدولية، وفي كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على ضرورة عدم حصول فراغ في الجنوب وعلى استمرار الدعم الدولي للجيش.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح التضامن الحكومي أكثر من مجرد مبدأ دستوري؛ إنه جزء من صورة الدولة أمام الخارج. ولعل هذا ما يفسر لماذا تبدو كلفة الذهاب إلى تعديل وزاري واسع أو استقالة جماعية غير وارد حاليًا.
وإذا جرى تجاوز التفاصيل، يمكن اختصار المطالب القواتية بثلاثة عناوين: قرار حكومي واضح، تحميل المسؤوليات بصورة جماعية، وعدم ترك الوزراء يتحملون وحدهم نتائج قرارات لا يملكون كل أدوات تنفيذها.
وفي المقابل، يحتاج الرئيس سلام إلى المحافظة على مبدأ التضامن الوزاري، بحيث لا تتحول الحكومة إلى مجموعة وزارات لكل منها سياسة مستقلة.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية: فـ "القوات" تريد أن يكون وجودها في الحكومة مؤثراً في القرار، فيما يريد رئيس الحكومة أن تبقى الحكومة حكومة واحدة، لا مجموعة حكومات داخل مجلس الوزراء.
وقد عبّر سلام في جلسة حكومية سابقة عن هذا المبدأ بصورة مباشرة، مؤكداً أن البلاد أمام "حكومة واحدة، وليس أربعاً وعشرين حكومة"، ومشدداً على التضامن الوزاري.
✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق