إهداءات ورسائل لا تصل

منذ ساعة

اعتدت من حين لآخر أن أتفرغ بضع ساعات للبحث في كتبي الكثيرة التي اقتنيتها عبر سنوات من المعارض والمكتبات وهدايا الأصدقاء، والسفر، عن كتاب أتذكره فجأة وأتمنى لو أجده عندي، وفي الغالب أجده إن اجتهدت في تقليب الكتب وبعثرتها، وإعادة ترتيبها بعد ذلك.
وكنت مرة تحدثت عن كتاب ونستون تشرشل «حرب النهر»، الذي كتبه عن الثورة المهدية في السودان، أيام أن كان مراسلا حربيا هناك، وقبل أن يصبح رئيسا لوزراء بريطانيا بعد ذلك. قلت إنني بحثت عن ذلك الكتاب في مكتبات عديدة في السودان، ووسط باعة الكتب المستعملة في أمدرمان وشارع الجمهورية، ولم أجده. ثم وجدته يوما أثناء بحث عشوائي في مكتبتي، وكان طوال الوقت قريبا مني، وربما يبتسم ساخرا وهو يتابع مجهوداتي في محاولة العثور عليه.
الذي حدث أنني وأثناء تلك البعثرة العشوائية في مكتبتي، عثرت على عدد من الكتب، لا تخصني، ولكن أرسلت معي من كتاب أعرفهم إلى أشخاص أعرف بعضهم، حيث يقيمون معي في البلد نفسه، لكنها لم تصل إلى من أرسلت إليه. ولأن المدة طالت، لم أعرف أو لم أتذكر سبب بقائها معي، وكان من السهل تسليمها لمن أرسلت إليهم.
من هذه الكتب، مجموعة قصصية صغيرة جدا، للراحل عثمان حامد سليمان، اسمها «مريم عسل الجنوب»، صدرت منتصف تسعينيات القرن الماضي، عن دار شرقيات في القاهرة، أيام أن كانت شرقيات تسيطر بأسلوبها الجديد آنذاك، وثقافة مؤسسها حسني سليمان، وأغلفة محيي اللباد، على نشر الأدب الراقي، أو الأدب الذي غالبا يحبه قراء معينون، لا ينتمون إلى قراء الكتابة العادية أو التجارية؟ المجموعة كانت في حوالي الخمسين صفحة، فيها نصوص قليلة، لكن كتبت بروح شعرية عظيمة، وبأنفاس معطرة بالروائح الأفريقية، التي غالبا تجدها في الأدب السوداني، الذي يأخذ من الأفارقة ومن العرب على حد سواء. وكل حديث عنه منذ أيام على المك، وجمال محمد أحمد، والتجاني يوسف بشير، ومحمد عبد الحي، وغيرهم، إلى الآن، لا بد أن يشير إلى هذه الخاصية. هذه المجحموعة تقرأها في زمن قليل لكن تظل لغتها عالقة في ذهنك، وأجواؤها لا تفارقك، ولا أعرف لماذا هي صغيرة هكذا، ولماذا لم يكتب عثمان غيرها في حياته التي كان يعيش بعضها في أجواء الكتابة، ولماذا أيضا لم يكتب رواية، وكان يمكنه أن يكتب؟ وتلك أسئلة بالطبع كان من المفروض طرحها عليه وهو بيننا، لكنها تبدو الآن بلا إجابات.
المجموعة هذه لم تكن تخصني، وكانت مهداة عن طريقي إلى ناقد عربي أعرفه، وفقط تذكرت أنني زرت عثمان في نهاية التسعينيات من القرن الماضي، في أبو ظبي حيث كان يعمل في قطاع البنوك، وكانت أياما طيبة قضيتها معه، ولا بد أرسل معي هذه المجموعة  للناقد، لكن لم أستطع أبدا أن أتذكر لماذا لم تصل. والناقد أعرفه جيدا، وألتقيه أحيانا، ونتحدث في كل شيء. واعتبرت الأمر نسيانا مني أو عادة تشع عندي أحيانا، حيث أقوم بتأجيل بعض الأشياء المهمة إلى أزمنة أخرى، ولدرجة أن لا تصبح مهمة في ما بعد.
أيضا عثرت على كتاب نقدي، أرسل معي من أستاذ جامعي التقيته في السعودية منذ سنوات طويلة، وعليه إهداء إلى شخص لا أعرفه، لكنه موجود في البلد نفسه، ولم يصل أيضا. وهذا لم يكن مني بكل تأكيد، لأنني اتصلت بالشخص مرتين ولم يرد، فأصبح الكتاب عندي، ويقيم معي حوالي خمسة عشر عاما. وكنت التقيت بمؤلفه بعد عشر سنوات في مؤتمر ثقافي، وذكرت له الأمر، فقال لي: لا عليك، فعلت خيرا، فالرجل الذي أرسلته إليه، قرأه بمعرفته، وهاجمني بشدة.
هناك أيضا رواية رومانسية أو عاطفية، أرسلتها معي كاتبة مبتدئة، إلى ناقد أعرفه أيضا، وقد قمت بقراءة النسخة المهداة لي في المطارات التي مررت بها، وفي الطائرة. وكانت رواية من الصعب حملها وإهدائها إلى ناقد متمرس أو حتى قارئ عادي، كانت في غاية الضعف، وفي الحقيقة كانت مجموعة خواطر عاطفية، لا يمكن ربطها، وتسمية العمل رواية. لذلك أنا من حجبتها عن الناقد، وتركتها عندي، عالقة وسط كتبي على أمل أن تحاول الكاتبة تحسس الخطى جيدا نحو مستقبل كتابي جاد، قبل أن تهدي كتابتها لأحد.
من الأشياء الطريفة التي تذكرتها الآن وأنا أطالع الإهداءات التي لم تصل، وهي كثيرة عندي، وجود رسائل كانت مهمة في زمانها ولم تصل أيضا. وأذكر أنني حين كنت طالبا في مصر، وكنت عائدا إلى السودان عن طريق وادي حلفا، حيث نستقل الباخرة النيلية من أسوان، أن التقاني في  مدينة عطبرة التي نمر بها أحد أقاربي، وأرسل معي بطاقة دعوة ورسالة طويلة إلى صديق له يسكن بورتسودان، يريده أن يكون حاضرا في عرسه وملازما له. سلمني الرسالة والدعوة وأكد لي شفهيا أن هذا الشخص تأتي أهميته مثل العرس تماما. لم تكن ثمة هواتف محمولة، ولا تلفونات أرضية ذات خدمة منتظمة آنذاك، والوسيلة الوحيدة هي الأيدي التي تبعث الرسائل، والتي تستلمها وتسلمها لمن أرسلت إليه.
الذي حدث أنني وضعت الرسالة في قاع حقيبتي، وذهبت إلى أهلي، وهناك جلست ثلاثة أشهر، نسيت فيها أمر الرسالة والعرس، وغيرت الحقيبة بأخرى جديدة، وأنا أهم بالسفر والعودة إلى مصر، وبعد حوالي تسع سنوات عثرت على بطاقة الدعوة في حقيبة قديمة مركونة، وكان الرجل قد تزوج وأنجب، ودخل أطفاله المدارس.
طبعا كما ذكرت، المسألة برمتها، ليست استخفافا بآمال الآخرين، ولا انتقاصا من أقدارهم وهم يحاولون إيصال مجهودهم إلى أشخاص يرون أنهم قد يفيدون، ولكن أشياء تحدث ومواقف مقدر لها أن تكون دائما.
*كاتب من السودان

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق