عادل ضرغام
في ديوان «جلد فائض» للشاعر المصري إبراهيم عبد الفتاح هناك قدرة على مواجهة العالم بكل انحيازاته، ومواجهة الفقد بالحركة والانتباه إلى الأشياء الصغيرة بداخلنا، أو بالعالم المحيط، وهي أشياء لا تلفت نظر كثيرين، ينتبه إليها فقط من يكرّسون أنفسهم للوحدة، ويحاولون الوصول إلى طريقة أو سبيل للتغلّب عليها، ولذلك الارتباط بالهش والبسيط من الأشياء، فتخلق النصوص لها وجودا، فالفقد جرح، والإنسان يقاوم جروحه بصناعة قشور بشكل تدريجي من الحركة للإلهاء وتبديد مركزية الذهن بالانتباه إلى أشياء أخرى جانبية.
ربما يدرك المتأمل أن محاولة الإلهاء بالاندماج بالهش والمهمش ليست إلا سبيلا أو آلية لتحمل الفقد الخاص بالذات فقط، بل آلية أساسية لتحمل الحياة وجنونها وحروبها، ووسيلة للتعاطي معها في كل غرابتها وبعدها عن المنطقية العقلية. وتغدو- في إطار ذلك- آلية للتحمّل الصامت، للوصول إلى معادلة للمعايشة، والتمكّن من الاستمرار، والعيش على حوافها، ولو من أيسر جوانبها. هي آلية لا تستحضر النزال أو العراك، بقدر ما تستحضر التسليم المشوب بالحذر والانتظار، آلية تقنع بالوصف الراصد، لكنها ترصده في إطار كوميديا سوداء تبرز تناقضات البشر والحياة، في شكل مفارقة عميقة ممتدة، وكأن هذه المفارقة تطهّر نظرتنا إلى الوجود.
مقاربة الداخل والخارج في نصوص الديوان، لا تقوم على امتشاق سلاح، أو التوسل بفروسية فريدة، بل نجدها على العكس تكتفي بالرصد الواهن. وفي رصد العالم – والذات جزء منه – هناك تسليم يكشف عن أن الذات تواجه كونا كبيرا، لن تقدر على مواجهته إلا بالتسليم، وبالرضا المشفوع بهمهمة ساكنة توقن بالنتيجة أو الهزيمة قبل فعل الصراع والنزاع. وهذا يوجّه نحو شعرية هادئة خافتة، لا تعتمد على مجازات خارقة للمواضعة اللغوية المنطقية والدلالية، وإنما تعتمد على التسرّب التدريجي داخل المتلقي لتشكيل عوالمها ومساراتها الفنية المختلفة.
هي نصوص لمعاينة الأحلام المقموعة، والآمال المؤجلة التي نخلقها ونختزنها أثتاء سيرنا وسعينا، نصوص للعابرين وعن العابرين، وعن ملامح التشابه التي تجمعهم، تعمل على تأسيس روابط واتصالات خفية بينهم، استنادا إلى ملامحهم المتشابهة ولهفتهم البادية، وتاريخهم وسيرهم، وظروفهم التي تتقاطع. فالنصوص- وإن كانت مهمومة بالذات ومصيرها وتشظيها الإنساني- منفتحة على العالم والآخرين، في الإشارة إلى نماذج إنسانية فقدت هدوءها وانسجامها، وغدت مرايا مشابهة للذات في بؤسها الوجودي الخاص، لكي تعكس ملامح الجميع في انكسارها.
والنصوص- بالرغم من بساطتها الواضحة- تخلق فضاءها الخاص، لأنها لا تحيل إلى شيء ناجز أو محدد أو ساكن، وإنما تشتغل على أشياء تجريدية لا يمكن تكديسها أو الإمساك بها، مثل الفقد أو الروح أو الحب. وحين تقارب هذه الأشياء أو المفاهيم لا تقاربها بغرض التحديد، بل لفتح نافذة أو نوافذ للاستيحاءات والتبادلات العميقة بينها، وتجدلها مع أشياء أخرى وثيقة الصلة بها.
الحركة والقفز
خارج الذاكرة
الحركة والاتكاء على الفعل في النصوص الشعرية ليست إلا معادلا عن غيابها، فكأن الحركة كاشفة عن الثبات. فتأمل النصوص الشعرية في هذا الديوان يكشف عن بنيات تشير في نمطيتها إلى القدرة على الحركة، ولكن في النهاية لن تفضي كل هذه البنيات الموحية بالحركة في مستواها المباشر إلا عن سكون وثبات، وعن غياب للأثر وغياب للفاعلية. ففي نص «عاصفة من جليد» يجد القارئ أن التناقض الموجود بين الحركة والثبات سوف يظلّ حاضرا في متن النص بشكل أو بآخر.
تتمثل الحركة في متن النص في حضور الفعل بشكل لافت، وكأنه نقطة انطلاق، لأن تكرار الأفعال في بداية كل سطر شعري على التوالي (تقبّلي)، و(لم أجد)، و(لأرسل)، و(افتحيها)، و(خبأتُ)، و(انتبهي)، و(لا تنزعجي) كاشف عن الحركة والرغبة في الفعل والتأثير، وهذا الحضور بجانبيه يمثل سياقا لتفعيل الحضور من جانب المخاطِب أو الصوت السردي في النص، ومن جانب المخاطبة. وفي مقابل الحركة- أو محاولة التحريك والتفعيل من الجانبين- يدهشنا النص بتشكيل إطار ضد فكرة الحركة وضد الاتصال.
هناك- حين يعاين القارئ السطرين الأخيرين في النص- إسدال للظلمة وإسدال للغياب. فحين يقول النص في آخر سطرين «ولا تنزعجي من غياب الظل/ عن أشجارها العالية» ندرك أن هناك توجيها جديدا يجعلنا نعيد قراءة النص من جديد، لأن غياب الظل لا يعني إلا غياب الضوء والنور أو الاتصال. وهذا قد يوجّه إلى أن النصوص في هذا الديوان كتابة لقلق الذات واغترابها وهشاشتها، قبل أن تكون كتابة للآخر الذي تحفل به، وتستحضره وتنشغل بوجوده الطيفي، فهي في النهاية كتابة تستأثر بحدودها الذاتية، وإشكالياتها الحياتية.
فتأمّل البداية في معظم السطور الشعرية في نص «لا أريد أن أكون هنا» سوف تفصح عن بداية مملوءة بالرغبة والقدرة على الفعل. والأفعال- وهي على الترتيب: (لا أريد، وأفكّر، وسآوي، وأنام، وأحلم، وأصافح، وأقتات، وأمشي، وأبحث، وأغنّي، وأشعل)- تأتي بوصفها نقطة الانطلاق الكاشفة عن التصوّر المثالي للشاعر أو للشاعرية التي تمتلك تصوّرا مثاليا ورسالة ورغبة في التغيير والصراع مع العالم. فوجود الفعل في بداية كل سطر شعري ليس إلا استحضارا وعودة لرسالة الشعر وإيمانا بها وإن تغيّر شكل ظهورها وتجليها في كل مرحلة.
يقارب النص حالة من حالات الوعي التجريبي التي تًبنى على يقين مفاده أن الحياة أو الوجود لا يلينان أو يستجيبان للآمال والأحلام الفردية والجمعية بسهولة، وأن كل هذه الآمال والحركات المبنية على طبيعة الفعل في بداية كلّ توجّه لن تفضي إلى فاعلية أو انتصار، ولهذا تطلّ كل هذه التوجّهات المملوءة بالحركة ظاهرية مشدودة إلى الثبات، وموزّعة بين المتخيل والمتحقق.
في نصين أخيرين من الديوان «بعض الظن»، و«ممحاة» هناك اشتغال لافت على تجارب الحب المشفوعة بالفقد، تجارب تؤسس بالتدريج ارتباطا بالعابرين والعابرات، وتصنع ذاكرة، وكل حالة تستدعي شبيهتها، وتسجّل حضورها المتوازي مع السابق أو اللاحق في الحركة، ليوجهنا نص «بعض الظن» إلى حياة موزّعة إلى عالمين: عالم الحياة أو الاتصال بالآخرين وارتباط الذات بهم، وعالم آخر يعرقل حركتها بحضوره الكثيف بفعل الذاكرة وهبوطها، وهذا التوازي يتأسس في ثنائية أخرى بين المسرح والتقنّع والحياة والعودة إلى الذات والذاكرة..
العودة إلى الذات تمثل عودة إلى الباطني المتواري، لتطلّ برأسه الذكريات بعد أن تمّ قمعها بآليات التواصل، واستخدام الوجه الهادئ والفعل العاقل المتزن. يقول النص: «لكنني في لحظات الوحدة/ حين أنزع القناع/ ألتقي بوجه شاحب/ مثقل بأثواب غيره/ أسمع صوته المرتعش/ يحاور نفسه بصدى ضعيف/ أسألني بصمت: هل تعرف من أنت؟». المسرح هنا كاشف عن مساحات الاتصال بين البشر والذات، ولكن الخروج من الشخصية/ قناع الاتصال يوجّه نحو مواجهة خاصة مع الذات، تتكشّف معها كل آليات ومحاولات الإرجاء التي تمارسها الذات ويمارسها البشر في تخفيف حدّة المواجهة.
يمثل الانعتاق من الذاكرة انعتاقا من الوجود السابق بتجاربه، ومن اسمه وكينونته، ليصبح وجوده حرّا شبيها بالطيور في صناعتها بداية جديدة أو ميلادا جديدا مع كل رحلة مهاجرة. لكن النص الشعري في تشكيل هذه الأمنيات يوجهنا إلى صعوبة ذلك واستحالته من خلال الانتقال مباشرة إلى هبوط واحدة منها، والإصغاء إلى حالة من حالات الفقد، حيث يقول: «لمحتك في منديل الفجر/ وهو يمسح آخر قطرة من الليل/ عن جبين ذاكرتي». وتأتي الصورة التشبيهية الرامزة في المقطع التالي، لكي تكون تأكيدا دالا على صعوبة الهروب أو التخلّص من الذاكرة.
المفارقة وإعادة المقاربة
تعتمد شعرية إبراهيم عبد الفتاح في هذا الديوان على المفارقة، وربما جاء ذلك من كونها شعرية مقاربة واصفة قائمة على معاينة جزئيات الكون أو العالم المحيط، ومحاولة إدخال جزئياته داخل بناء جديد يكيّف وجودها، ويخترع علاقات لم تكن متاحة أو مطروقة لها قبل ذلك، وفي ذلك إدراك وتعرّف على التناقضات الحادة. قيمة الشعرية في نصوص الديوان تتمثل في إعادة موضعة الأشياء، بإدخالها في علاقات وارتباطات جديدة. إن مطالعة المقطع الأول من نص «صباح فاسد» سوف يثبت مشروعية هذا التوجه في مقاربة النصوص.
حين يقول المقطع الشعري: «لا جديد/ والذي يغلي على موقد النار ليس قهوة/ بل صباح فاسد أخرجتُه من البراد للتوّ/ مثل عطر انتهت صلاحيته/ وأحيانا تكفي رائحة سيدة عابرة/ لترتبك جغرافيا وسط البلد» ندرك أن النص قائم على رصد الثبات والتكرار، وأن الوعي بالأشياء- انطلاقا من هذا الثبات والتكرار- ليس قائما على الحقيقة، وإن كانت موجودة في الخلفية الذهنية للقارئ، بل هو قائم على عقد تشابهات خفية بين مجالات مختلفة، وكل قسيم منها يلقي بأثره على القسيم الآخر. يشير الوصول إلى السطرين الأخيرين إلى أننا بحاجة إلى معاينة ما سبق في ضوء التجذر الجسدي في مكان والحركة في مكان آخر.
في كلّ مقطع تال يتحرّك النص انشدادا إلى آلية اليومي، لكن اليومي هنا لا يقارب حياة الذات في منعطفاتها وحركتها اليومية، بل يقارب تجربة يعيد تدويرها وتشكيلها في حركته وفي مقاربة الأشياء المحيطة، فكلاهما- التجربة والأشياء- تنفتح على الأخرى، وتؤثر فيها وفي تجليها. فالجزئيات المحيطة تشكل جزءا من حركة الذات وإدراكها في المقطع الثاني، مثل (موسيقى دافئة لأغنية شعبية)، و(شريط أخبار يشير إلى مؤامرة خارجية)، و(القفز بين الحافلات). وهي كلها جزئيات تكشف عن حركة وانفتاح على العالم تخرجان الذات خروجا جزئيا عن همّها الخاص المشدود إلى أفقها المغلق.
تأمل السطور الأخيرة في هذه المقطع حيث تقول: «ما ينقصنا هو الاعتراف بأننا لم نكتسب خفّة/ مناسبة/ لتجاوز الألم» يوجهنا نحو عبث المحاولة وعدم جدواها، فكل المحاولات التي تجلت في بداية النص بوصفها أفقا او منطلقات للاندماج لم تفلح في هزّ أو رجرجة التركيز، وإعادة نشر تمركزه بعيدا عن استعادة الحالة وتكرارها وتشكيلها اليومي الثابت، بوصفها منطلقا للسعي أو للخروج للمهادنة بداية من كل صباح، حتى نهاية السعي ليلا، والعودة إلى ذاته وأفقه المغلق.
في بعض النصوص تمنحنا الحركة بين مقاربة الخارجي أو التجريدي ومقاربة الذات، أو دخولها الإطار العام أو محاولة تسكينها في أفق قريب أو محدد، رؤية جديدة، لا توجهنا فقط نحو إعادة القراءة والتأمل، لكنها تعقد مساحة من الوحدة بين الفكرة التجريدية وحضور الذات في إطارها. فحين نقرأ مطلع نص «صخب الفراغ» الذي يقول: «كثيرة أنت أيتها الوحدة/ ثرثارة/ باردة/ وهادئة/ حين أترنح في صخب الفراغ/ كأرجوحة خالية» ندرك أن التمدد التركيبي لمعاينة التجريدي في البداية يقابله وجود للذات في السطرين الأخيرين.
وقد تؤثر المفارقة الهادئة على بنية اللغة الشعرية في النصوص، فلغة الكتابة لغة خاصة قائمة على الإيحاء، تناوش الأشياء ولا تحدّدها، تخدشها بعمق، لكنها لا تفجعنا بظهور الدماء، لغة تفتح مسارات للأشياء لكي تتبادل أماكنها استنادا إلى ما تثيره في الذهن والإدراك من ترابط. فحين تجمع اللغة الشعرية هذه الأشياء البعيدة عن بعضها على المستوى المباشر، تقدّم اقتراحات للترابط والنمو، لكنها لا توجهك نحو رابط المشابهة والدمج بينها، بل تترّك للقارئ الحرية الكاملة لكي يؤسس بنفسه هذا التشابه انطلاقا من التوجيه البنيوي والتركيبي المستمر.
وهذه الاقتراحات على الترتيب (الملابس الطرية على حبل الغسيل)، و(العجين قبل النضج)، و(الطفل أول المشي)، و(أول الكلام)، و(الاعتذار عن خطأ متاح)، و(الشهيق المفاجئ)، و(ملامسة العشّاق قبل إكمال أوّل قبلة)، و(العتاب الرقيق)، و(همس المحبين)، و(الخريف) و(الحنين)، و(العطش)، و(الارتواء). فكلها- وفق منطق النص- مساوية للأزرق، لكن النص في مقطعه الأول يذيب- بسبب هذا التعدد- المركزية الدلالية، ويجعلها منفتحة على أشياء لا يمكن الإمساك بها أو تكديسها، وإن كان يمكن الإحساس بدائرة دلالية مرنة لا تستند إلى صلابة أو تماسك.
تسويغ هذه الجزئيات التي قد تبدو متباعدة إلى حدّ ما لا يتمّ إلا بالمقطع التالي الأخير الذي يشكّل بوروده على هذا النحو نوعا مغايرا من المفارقة، لا يقوم على التباين، وإنما يقوم على تغذية الربط بين هذه الأشياء والأزرق أو الزرقة، لأنه يحيلنا إلى مرحلة موغلة في الزمن ومرتبطة بوعي البدايات. فالمقطع الثاني يحيلنا نحو بداية الوعي، حيث مساحة وبراح من الانسجام التام، تحددها وتخلق ملامحها رؤية طفل سارد متوار خلف حضور الأشياء المهيمنة على مشهد النص وحركة المعنى.
حين نقرأ قوله في نص «ممحاة»: «لم يخرجوا للنهار خشية أن يعثروا به/ فيلتهمهم بقضمة واحدة/ هم أيضا أحكموا إغلاق النوافذ/ واكتفوا برسم الشمس على الجدران/ ولم تكن لديهم مرايا ليشعروا بمرور الزمن» ندرك أن المفارقة البنائية توجّه نحو الارتكان إلى الماضي، وهذا الارتكان يفقد أصحابه الإحساس المتسارع بالزمن، فنراهم واقفين عند حدود هذا الأفق القديم، متخيلين أنهم- والآخرين داخل ذهنهم- يظلّون على حالهم القديمة، وفي ذلك تغييب للتغييرات وطمس للأخاديد التي يحفرها الزمن على الوجوه، وعلى العلاقات التي لم تعد كسابق عهدها ندية معطاء.
إبراهيم عبد الفتاح: «جلد فائض»
منشورات بتانة، القاهرة 2026
135 صفحة.
- مصرع شاب وإصابة 2 آخرين في حادث سير بالبحيرة
- شاب يودي بحياة شقيقه بسبب خلافات أسرية بينهما في البحيرة
- محافظ الفيوم يشهد عقد قران وحفل زفاف إحدى الفتيات اليتيمات من الأولى بالرعاية
- الأفخم عمرانيا وزخرفيا.. شاهد منزل الأماصيلي الأثري في رشيد بالبحيرة
- رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يخطف الأضواء خلال اجتماعات الأمم المتحدة
















0 تعليق