اندلع، قبل قرابة ثلاثة أشهر خلاف حول طائرة إيرانية واحدة تتأهب للنزول في العاصمة اليمنية صنعاء. في 13 تموز/يوليو الماضي، اتهمت الحكومة الشرعية اليمنية الطائرة بنقل عناصر ومعدات عسكرية إيرانية وقامت قواتها بقصف مدرج المطار لمنعها من الهبوط. ردّت حركة «أنصار الله» (الحوثيون) باستهداف مطار أبها السعودي ثم اتسعت المواجهة لاحقا نحو البحر الأحمر واستهداف الملاحة السعودية.
تبدو تلك الحادثة اليوم مقدّمة لتطور أكبر بكثير نشهده حاليا مع تحول السؤال من هل يمكن لطائرة إيرانية أن تهبط في اليمن إلى: أين تستطيع الطائرات الإيرانية الهبوط أصلا.
تحت طائلة العقوبات الأمريكية الجديدة ضد طهران، بدأت الإمارات والعراق بفرض قيود على الرحلات الإيرانية، وكانت تركيا وعُمان قد وافقتا بالفعل على وقف رحلات «ماهان إير» الإيرانية، كما كانت جورجيا وأذربيجان قد حظرتا بشكل كامل هبوط الطائرات الإيرانية، وفي العراق توسّع الحظر تدريجيا من بغداد وأربيل والسليمانية ليشمل النجف، مهبط الرحلات ذات الطابع الدينيّ الشيعي، والذي شهد زيارة عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني قبل شهر لتأدية زيارة الأربعينية.
تنقل الوقائع الأخيرة الحديث هنا من حرب المضائق إلى حرب المطارات، وفي حين كان الصراع في هرمز يدور حول من يستطيع العبور، ومن يستطيع تعطيل حركة ناقلات النفط والسفن التجارية، تجري المعركة الجديدة من دون حاجة الولايات المتحدة لإغلاق الأجواء الإيرانية عسكريا. يكفي أن تجعل العقوبات من استقبال الطائرات الإيرانية وتزويدها بالوقود والخدمات الأرضية مخاطرة اقتصادية على المطار والدولة والشركات التي تتعامل معها، وبذلك تمكّنت العقوبات المالية من تحقيق ما كان يحتاج عملا عسكريا.
قابلت إيران هذا بمحاولة توسيع دائرة الخطر الإقليمي، فقال مستشار المرشد الأعلى، محمد مخبر، إن «الطيران في المنطقة إما أن يكون متاحا للجميع، أو لا يكون متاحا لأحد»، فيما تحدث مسؤولون إيرانيون عن القدرة على ضرب أهداف تصل إلى المحيط الهندي. تكرر طهران بهذه الصيغة ما فعلته في هرمز: إذا تعذر استخدام ممر ما بأمان، فالجواب هو رفع تكلفة استخدامه على الآخرين أيضا، وهكذا تتوسع فكرة الردع من المضيق إلى المطار، ومن البحر إلى الجو.
تكشف هذه الحرب، مع ذلك، حدود القوة الأمريكية، التي ظهرت معالمها واضحة في الأيام الأخيرة، فبينما تغلق مطارات إقليمية أجواءها أمام إيران، بقيت الصين منفذا ممكنا. يحمل هبوط طائرة إيرانية في الصين، رغم العقوبات الأمريكية، دلالات تتجاوز قضية السماح برحلة جوية. تستطيع واشنطن استخدام جبروتها الاقتصاديّ لفرض عزلة واسعة على إيران، لكنها لا تستطيع تحويل العقوبات الأمريكية تلقائيا إلى حصار عالمي.
يزداد هذا السياق أهمية مع التقارير الأمريكية عن مساعدة تكنولوجية واستخباراتية صينية لإيران، فقد ربط مسؤولون أمريكيون صور أقمار صناعية حصلت عليها إيران مما ساهم في تحسين دقة ضرباتها للقواعد الأمريكية في المنطقة.
تظهر «حرب المطارات» المتفاقمة هنا كجزء من الصراع الأكبر الدائر على شكل النظام الدولي نفسه، والذي تحوّل عنوانه إلى عدد الدول التي تستطيع واشنطن إرغامها على إغلاق «الممرات» البحرية والجوية والمالية، ومن هي الدول التي يمكنها التفلّت من هذه الشروط.
إحدى المفارقات التي يمكن ملاحظتها في هذه الحرب أن الأطراف تستخدم اللغة نفسها عندما تكون حرية الحركة في صالحها، ثم تقبل بتقييدها عندما تصبح أداة ضغط على الخصم. تحتج إيران على تقييد طيرانها ولكنها تعتبر السيطرة على الملاحة في هرمز حقّا مكتسبا لها، وتدافع الولايات المتحدة عن حرية الملاحة البحرية، لكنها تستخدم قوتها المالية لتضييق حركة الطيران الإيراني.
ما تكشفه هذه التطورات ليس انتقال الصراع من البحر إلى الجو فحسب، بل تغيّر معنى الهيمنة نفسه. لا يحتاج الطرف الأقوى، في حروب المنطقة، دائما لاحتلال الأرض، فقد تكفيه القدرة، عبر العقوبات، في حالة أمريكا، أو عبر الحوثيين، في حالة إيران، على أن يفرض قرار من يمرّ، ومن يهبط، ومن يحصل على الوقود، ومن يستخدم الميناء أو المطار.
- وزارة الداخلية: حزب الأصالة والمعاصرة يفوز بالانتخابات البرلمانية في المغرب
- مصرع شاب وإصابة 2 آخرين في حادث سير بالبحيرة
- شاب يودي بحياة شقيقه بسبب خلافات أسرية بينهما في البحيرة
- محافظ الفيوم يشهد عقد قران وحفل زفاف إحدى الفتيات اليتيمات من الأولى بالرعاية
- الأفخم عمرانيا وزخرفيا.. شاهد منزل الأماصيلي الأثري في رشيد بالبحيرة
















0 تعليق