«سودربرج» وكشف خبايا لعبة القدر

منذ 2 ساعة

منذ لحظة الميلاد، مصير الإنسان محتوم. وفي الماضي، كثيرًا ما أثير الجدل حول ما إذا كان الإنسان مسيَّرًا أم مخيَّرًا، ولا يزال الجدل محتدمًا منذ قرون إلى وقتنا الحالي، حتى بعد الاتفاق الضمني أن الإنسان مسيَّر ومخيَّر في الوقت نفسه، تبعًا لطبيعة الأحداث، بإرادته أو خارج نطاق سيطرة الفرد. ووصولًا إلى هذه النقطة بالتحديد، يشتعل الجدل مرَّة أخرى ليقع الإنسان في متاهة جدل سوفسطائي لا نهاية له.
الغريب أن الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه Feredrich Nietzsche (1844-1900) قد حسم متاهة الجدل تقريبًا في نظرياته الفلسفية الوجودية الثورية؛ فعندما ناقش علاقة السيِّد بالعبد، كان يُرسِّخ فكرة أن الفرد بمقدوره الخروج من أُطُر تلك العلاقة، واختيار الموضع الذي يفضِّله. بيد أنَّ ذلك يستلزم تفعيل «إرادة القوَّة» التي تجعل الفرد مستمسِكًا بالحياة، مهما كانت الظروف، والتي أيضًا تمكِّنه من القيام بعمل جلل يرتقي به لخانة الأسياد. والأهم، يتوجَّب على الفرد أن يكون على قناعة تامة بما يفعله، مهما ساءت الظروف ومهما جابه من معارضة. وحالما استطاع إيجاد الإرادة والعزيمة لمجابهة أسوأ الظروف وسعى لتحقيق أهدافه، تتولَّد لديه قوَّة هائلة، وهي «إرادة القوَّة»، التي تؤهله للخروج من متاهة الفرد العادي إلى مصاف «السوبرمان».
ويلاحظ أنَّ من اعتنق نظريَّات نيتشه بإيجابية ككتلة واحدة، دون الإيمان بقشورها وركل جوهرها خارج نطاق أفعاله، حقق تقدُّمًا عظيمًا غير مسبوق. ويؤكِّد الكثيرون أن نظريات نيتشه كانت سببًا في حدوث ثورة فكرية في أوروبا أفضت إلى تقدُّم القارة. وكان تأثيره على ألمانيا والدول الإسكندنافية ملموسًا إلى حد كبير؛ بسبب تشابه الإطار الفكري والظروف الاجتماعية والسياسية.
اعتناق أفكار نيتشه التقدُّمية صار ناموسًا عند العامة والعلماء، وأضحت نظرياته عند العديد من الأدباء ينبوعًا للإبداع، حتى ولو حدث ذلك عن طريق اللاوعي. وأحد هؤلاء الأديب والصحافي السويدي يلمار سودربرج Hjalmar Söderberg (1869-1941) المعروف بلقب رائد الأدب الحديث في السويد، الذي نال شهرة عالمية واسعة؛ بسبب أفكاره التي لا تزال ثورية، حتى بمعايير العصر الحالي، وكذلك لتمسُّكه بالإطار الوجودي في أعماله التي سبقت إبداع «جون-بول سارتر» و»ألبير كامو».
ولرسم واقع وملامح مدينته «ستوكهولهم» بدقَّة متناهية، دارت أعماله في إطار نفسي تحليلي معقَّد يبرز الوجه الخفي لسكَّانها المأزومين عاطفيًا ونفسيًا. ولكي يطوِّق إبداعه بإطار من الواقعية، كان يكتفي بأن يصوغ الشخصية التي تعمل كبوق لبث أفكاره في شكل فرد يتجوَّل عبر الأحداث والمواقف؛ كي يرصد عن بُعد ما يحدث في المجتمع. وضمن له هذا الإطار الحماية من النقد اللاذع؛ وخاصة أن شخصياته المتجوِّلة نفسها تعاني من الكثير من نقاط الضعف. وظهر هذا الإطار بوضوح في أولى رواياته «الأوهام» (1895) التي كتبها من وجهة نظر شاب يجول أرجاء المدينة، ويهوى مغازلة الفتيات والتصرُّفات الطائشة.
وقد بدأ سودربرج حياته الصحافية والأدبية في سنّ العشرين، ومنذ ذاك الحين اعتاد سبك أعمال تنادي بالحرِّية وإبراز أفكار جريئة لم يناقشها أحد من قبل. وتجدر الإشارة إلى أنه كان من أوائل المنددين بصعود تيَّار للنازية، وفضح أفكارها مع التحذير منها. ولم يلبث زمنًا طويلًا حتى حدث بالفعل ما توقَّعه، عندما اشتعلت الحروب العالمية، وظهر الوجه الخطير الدَّاهم للنَّازية إبَّان الحرب العالمية الثانية فور صعود هتلر إلى سدَّة الحكم.
وكما كان سودربرج منذرًا بخطر النَّازية، ناقشت أيضًا أعماله أفكارًا لا تزال ثورية بمعايير العصر الحالي، وخاصة تلك التي تشكِّل معضلة أخلاقية أو تصنَّف على أنها أفكار محظورة ومن التابوهات التي لايجب أن يمسسها الفرد حتى في مخيِّلته، ومن تلك القضايا: اقتراف الجريمة وتبريرها، والحرِّية الفردية للمرأة، واغتصاب الأزواج لزوجاتهم، وحق المرأة في الإجهاض. وجميع تلك القضايا أفكار لا تزال محلّ نقاش عرمرم. وقد توَّج أفكاره تلك بمناقشة قضية القتل الرحيم لتحقيق الخير لجميع الأطراف. ويتَّضح أنّ كل ما يثيره من مشكلات لا تزال محظورة. لكنه مولع باستبطان القضايا التي تكمن في أكثر مناطق المخّ ظلمة ويحظر أخلاقيًا على المرء حتى التفوُّه بها لنفسه، وخاصة معضلة القتل الرحيم التي يتم طرحها حاليًا على استحياء وتجد رفضًا عالميًا.
ومن أهم أعماله التي أرست شهرته العالمية، ومنها المجتمعات المتحدِّثة باللغة الإنجليزية، رائعته الروائية «دكتور جلاس» (1905) التي تُرجمت لعشرين لغة، وأرغمت الكاتبة الكندية الشهيرة مارجريت أتوود، أن تلقِّبه بـ «رائد الوجودية في العصر الحديث». وكلمة «جلاس» باللغة السويدية تعني «زجاج»، وهنا يناقش سودربرج قضية أن حتى هذا الزجاج الشفاف قد يكون مُخادعًا، وأنه ليس أداة للشفافية، بل عازل لمن خلفه عن الآخرين.
وبطل روايته هو د. تيكو جابرييل جلاس، الطبيب الشهير في مدينة ستوكهولم والمعروف عنه الذكاء والقدرات الفائقة على شفاء المرضى، إلى جانب الحصافة الذهنية. وبوضعه تحت ميكروسكوب سودربرج، ينبلج أنه شخص وحيد عزل نفسه عن العالم، وعزف عن تكوين حياة اجتماعية؛ لراحته في البعد عن البشر أجمعين، بالرغم من أن وظيفته تؤهله للاندماج مع آلاف المرضى. لكنه يجد راحته عن مراقبتهم بسخرية عن بعد، من وراء زجاج نافذه حجرته، دون أن يبالي لتعاقب الأزمنة عليه، مبرِّرًا موقفه بالسخرية من الأشخاص وما يدور حوله من أحداث. وعلى عكس «سوبرمان نيتشه»، فهو لا يمتلك إرادة القوَّة لتحقيق هدف عظيم أو مجابهة الحياة؛ لأنه غير متمسِّك بها ويسعى للفرار منها.
ويقع في الخطأ المحظور عندما يتعاطف مع إحدى مريضاته لدرجة الولع بها، مما يوضِّح تفاهته الدفينة، لكنه أيضًا يعزف أن يصارحها بذلك. فلقد أتت له المريضة الشَّابة الجميلة تشكو نفورها من العلاقة الحميمة المقززة مع زوجها المسنّ، التي تصل أحيانًا للاغتصاب. وكذلك، أنها واقعة في غرام شاب، مما يجعل نفورها من الزوج مضاعفًا. ولهذا، أتت للطبيب ليجد حلًّا يضع حدًا للعلاقة الحميمة مع زوجها. في بادئ الأمر، تقابل الدكتور مع زوجها المسنّ، فوجده مقززًا لا يهتم بناظفته الشخصية، بالرغم من كونه واعظًا بالكنيسة. واكتشف أنه أحد المنافقين الذين يتنافى واقعهم تمامًا مع نصحه. في بداية الأمر، حاول الطبيب إرسال الزوج بعيدًا إلى مكان للاستجمام كي ينسى أسلوبه المقزز مع زوجته، لكنه لم يتعظ، وعاد ليمارس علاقته الشائنة. فشعر الطبيب أنه من أجل راحة الزوجة ووضع حدّ لرياء الزوج، قرر إنجاز عمل عظيم، وأقدم على قتل الزوج بحبة من سيانيد البوتاسيوم، التي جعلته يصاب بأزمة قلبية يموت على إثرها، دون أن ينكشف أمر الطبيب.
استطاع الطبيب فعل ذاك الحدث العظيم، لكنه لم يشعر بالسعادة، ولم يحاول بعدها تغيير واقعه، كما ينصح نيتشه، بل استمرّ في دور المراقب الساخر الذي يعزف عن الانخراط في الحياة. وأزجى سخريته أن الزوجة الشابة بعد مقتل الزوج هجرها الحبيب حتى يتزوَّج من أخرى ثرية، ما جعل الطبيب أكثر انعزالًا وميلًا للتفاهة.
تحقيق العظمة يستلزم أوَّلًا شعور الفرد نفسه بأهمية إنجازاته؛ ليجد إرادة القوَّة. ولهذا يؤكِّد سودربرج في جميع أعماله، أن الوقوف في موضع المتفرِّج المتجوِّل لا يضمن للفرد إلَّا البقاء في هذا الموضع، وترك حياته للقدر ليحرِّكها كيفما شاء.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق