في دورة الانعقاد الحادية والثمانين السنوية للأمم المتحدة في نيويورك هذا العام، تصاعدت حدة الأزمة السودانية على المستوى الدبلوماسي والدولي، مع تشدد واضح في الموقف الأمريكي من قيادات الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات. وما فاقم من حدة المواجهة رفض الولايات المتحدة منح رئيس مجلس السيادية الفريق عبد الفتاح البرهان وقائد الجيش السوداني في حكومة الواقع، كما وصفتها الإدارة الأمريكية، تأشيرة الدخول إلى أراضيها، كما هو الحال مع رصفائه من رؤساء وزعماء العالم. ولكن ما الذي استجد في ملف العلاقات الأمريكية السودانية والحرب الجارية في السودان، وهل نفد صبر الإدارة الأمريكية أمام أزمة حرب أهلية استعصت على كل الحلول الدولية منها والإقليمية؟
لقد ظل ملف الأزمة السودانية في ملف الخارجية الأمريكية متأرجحا منذ آخر عامين لإدارة الرئيس السابق جو بايدن في ظل اشتعال الحرب، من دعوة للحوار السلمي إلى فرض العقوبات إلى التلويح بوسائل القوة التي تقف وراءها شبكاتها العسكرية والاستخباراتية، والأهم سيطرتها على نظام دولي من صنعها تتحكم به على الدوام.
إن الرؤية السياسية للجنرالين في مسار الحكم أو التحكم بالحرب والدولة ستكون على المحك في حالة التوصل إلى إيقاف الحرب، لما يواجهانه من عقوبات دولية ومسؤولية الحرب بإشكالاتها الحقوقية كافة
فأيا تكن طبيعة تكن المبررات وراء حجب تأشيرة الفريق البرهان ومنعه بالتالي من تمثيل دولة عضو في الأمم المتحدة مترأسا لحكومة يقودها، فإن ذلك يشير إلى موقف مستجد وربما رؤية أمريكية جديدة غير معهودة في معالجة ملف الأزمة السودانية. ومهما قلَّل داعمو الحكومة بحجة أن منح التأشيرة كان مشروطا بقبول المقترحات الأمريكية للهدنة الإنسانية لمدة ثلاثة أشهر، وغيرها من تنازلات تصر عليها الإدارة الأمريكية، ما جعل موقف الحكومة أكثر تشددا، بما صممت عليه من سياسيات عسكرية لا تحيد عنها على كلفة نتائجها. ثمَّ إن إشارة المبعوث الأمريكي مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والافريقية مسعد بولس مسعد، من أن حكومته لا تعترف بشرعية طرفي الحرب، الجيش والدعم السريع ولا بأي حكومة موازية، يعد تطورا في الموقف الأمريكي، ما يجعله قابلا للتصعيد على مستوى السياسة الخارجية الأمريكية، وما ستنتجه من مسارات أو تتخذه من قرارات قادمة.
إن، الرؤية السياسية للجنرالين في مسار الحكم أو التحكم بالحرب والدولة ستكون على المحك في حالة التوصل إلى إيقاف الحرب، لما يواجهانه من عقوبات دولية ومسؤولية الحرب بإشكالاتها الحقوقية كافة. ومع أن الفريق البرهان يسعى كما تروج تصريحات قادة الجيش إلى البقاء على رأس الدولة لثلاث أو أربع دورات انتخابية، كما صرح الفريق ياسر العطا أحد قادة المؤسسة العسكرية رئيس هيئة أركان القوات المسلحة، وهو وضع لا يمكن تصوره إلا في ظل استمرار الحرب نفسها. والأمر نفسه يماثل حالة قائد قوات الدعم السريع ومصير حكومته الموازية الغامض في مواجهة المستقبل، الذي ينتظر مرحلة ما بعد الحرب. وما جاء من تصريحات الإدارة الأمريكية بشأن القائدين مؤخرا على لسان المستشار من أن واشنطن لا ترى مستقبلاً سياسياً لقائد الجيش عبد الفتاح البرهان أو قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، وأنها تدعم انتقالاً سريعاً وسلساً إلى حكم مدني بعيداً عنهما.
أما انعكاس هذه التطورات الدبلوماسية، كما يبدو إلى الآن، على الصعيد الداخل السياسي ممثلا في القوى المدنية الرافضة للحرب، التي للمفارقة شاركت في هامش الدورة، الأمر الذي لم يحدث من قبل يقودها عبد الله حمدوك آخر رئيس وزراء قبل انقلاب حكومة البرهان وحلفائه من الإسلاميين في أكتوبر 2021؛ بوفد التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود». لمناقشة، على حد تعبيره، سبل إنهاء و وفتح المجال أمام المساعدات الإنسانية، اعتمادا على ما هو محتمل من «المجتمع الدولي» ومنظماته، إلا أن هذا الاتجاه من القوى المدنية، رغم الاختراق الذي حققته بوجودها في أكبر حشد أممي رئاسي، إلا أن مؤشراته السياسية غير المعلنة هو ما ينتظر مستقبل حكومة البرهان بالتنسيق مع المواقف الدولية وعلاقته مع القوى السياسية المدنية.
توترات هذه الأحداث مع عودة ملف استخدام الأسلحة المتطورة بما فيها الكيميائية في الحرب الجارية في البلاد، التي زادت وتيرتها ما يكشف عن حجم الدعم المقدم للطرفين، عبر المحاور التي تساند كل طرف. وهي في الواقع والشواهد محاور التفت حول الأزمة السودانية من جهات متعددة، مدفوعة بدوافع متضاربة من مساندة انفصال الدولة إلى المحافظة على نظام يضمن عدم عودة الحكم الديمقراطي ومؤثراته غير المرغوب فيها.. ولكن كيف يفكر الجنرالان أو بمعنى أدق (بحكم الوضع القائم) الحكومتان الشرعية في بورتسودان وتلك الموازية في دارفور (حكومة تأسيس) في الحوار أو تحقيق ما فشلت فيه قدراتهما على تحقيقه إلا بالحد الذي وصلت إليه حالة الدولة المنقسمة المنهارة، في التعاطي مع الموقف الأمريكي المستجد؟ فالخلاف لم يعد بين سلطة قائمة ومجموعة تمردت على سلطتها، بل أصبح وضعا جديدا على خريطة البلاد. فالطرفان ينقادان عسكريا وسياسيا بدوافع مختلفة من الانتصار الساحق من طرف الجيش بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقائد الدعم حميدتي، الذي يسعى ومعه المتحالفون من مجموعة تأسيس، انتزاع اعتراف بالقوة بالدولة الجديدة على أطراف البلاد. ووفق هذه المعادلة المتأرجحة التي كثيرا مع تفسر بأنها من تعقيدات الأزمة، التي جعلت التعامل معها شائكا حتى على الصعيد الدولي. فإما أن تستمر الحرب لتثبيت هذا الوضع، أو وصولا به إلى غاياتها القصوى في التدمير.
إن الموقف والتوقيت الحرجين في علاقة طرفي الحرب مع الإدارة الأمريكية، لم يترك هامشا للمناورة التي درجت عليها أطراف الأزمة السودانية، إذ لم تعد الحرب والسلطتان اللتان تتحكمان بمسارها، عمليات مستمرة بلا نهاية، فالمأزق يتمثل في حدود شرعية كل من الطرفين من عدم الاعتراف الكامل بحكومة تأسيس طرف الدعم السريع، إلى حكومة «الأمر الواقع» في بورتسودان ولو أن الأخيرة تمثل إطارا شرعيا فرضته ضرورة الوقائع، داخل مؤسسات الدولة والعالم. إلا أن العامل الخارجي لا يشكل وحده ضغطا على طرفي الحرب على أهميته ومدى تأثيره، خاصة إذا جاء من دولة في حجم الولايات المتحدة الأمريكية. وتستطيع امريكا أن تقدم مقترحات وتمارس ضغوطات وتفرض عقوبات بما يحمل الطرفين على القبول، إلا أن ما لا تستطيعه أن تجعل تنازلات الطرفين حلا محققا على أرض الواقع ولو مؤقتا.
ولن تكون استراتيجية إدارة الرئيس دونالد ترامب بعيدة، عما تشهده المحاور الإقليمية في المنطقة ليس السودان من أهمها وإن كان من بينها على طول قائمة الأولويات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية المتداخلة. وإذا كانت أطراف الحرب تعول على دول لمساندة موقفها داخليا بالدعم ودبلوماسيا داخل مجلس الامن الدولي التابع للأمم المتحدة بنفوذ الفيتو من دولتي الصين وروسيا بالنسبة للحكومة، إلى جانب الدول الحليفة عبر محاور عربية وافريقية المساندة لقوات الدعم السريع. فالمسافة الفاصلة بين سنوات الحرب منذ 2023 إلى راهن الواقع الدولي وما شهده من تحولات وما اظهرته من حدود الحل الممكن لأزمة تجاوزت بالمعايير السياسية والإنسانية ما لا يمكن احتماله أو تحلمه بالمعنى القانوني على افتراض المسؤولية بين ضمير العالم واخلاق السياسة.
كاتب سوداني
- مصرع شاب وإصابة 2 آخرين في حادث سير بالبحيرة
- شاب يودي بحياة شقيقه بسبب خلافات أسرية بينهما في البحيرة
- محافظ الفيوم يشهد عقد قران وحفل زفاف إحدى الفتيات اليتيمات من الأولى بالرعاية
- الأفخم عمرانيا وزخرفيا.. شاهد منزل الأماصيلي الأثري في رشيد بالبحيرة
- رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يخطف الأضواء خلال اجتماعات الأمم المتحدة















0 تعليق