تثير تصريحات ترامب وشطحاته في أغلب الأحيان السخريّة، وتتحول إلى مادة دسمة على وسائل التواصل الاجتماعي. وتُفَسَّر، عموماً، على أنها دليل آخر على عبثه ونزقه واستخفافه بكل الأعراف. لكن يجدر بنا أيضاً أن نقارب هذه الظاهرة والسياسات التي ينتهجها ترامب عموماً بجديّة. ذلك لأنها، بغض النظر عما تثيره من سخريّة، تشير إلى نزعات وتقاليد متجذّرة في تاريخ الولايات المتحدة وفي اللاوعي السياسي الجمعي، تبرز من جديد، لكنها ليست جديدة، ولم تختف أصلاً، ولا استجلبت من الخارج. حين يُصدم الليبراليون، وما أكثر صدماتهم، من مظاهر الفاشية والنازية الجديدة، يكون رد الفعل التقليدي هو القول «كنا نظن أن هذا يحدث في ألمانيا فقط!»، متناسين أن النازيين استلهموا قيم وقوانين منظومة الفصل العنصري الأمريكية وكانوا معجبين بها وبـ«الحلول» التي استخدمت للتعامل مع السكان الأصليين.
تغيير أسماء الأمكنة الأصلية عنف رمزي ومعرفي، فالاسم الجديد يشوّه ويمحو تاريخ المكان وذِكر سكانه الأصليين ويفرض عليه دلالات ومعان مختلفة، ويواصل اقتلاعه رمزياً
ولا بد من التذكير في هذا السياق، أن التعامل مع ترامب وما يمثله كمزحة عابرة من قبل الديمقراطيين، وحتى بعض الجمهوريين، في بدايات تنافسه على الترشيح للرئاسة، ودخول معترك الحزب الجمهوري، كان خطأ فادحاً.
يبدو ترامب وكأنه مهووس بتغيير أسماء المواقع الجغرافية والمسطحات المائية، داخل الولايات المتحدة وحتى خارجها. في مستهل فترته الرئاسية الثانية في يناير 2025 أصدر القرار التنفيذي 14172 المعنون «إعادة الأسماء التي تحتفل بالعظمة الأمريكية»، الذي أمر بإعادة تسمية أعلى جبل في البلاد، في ولاية ألاسكا، «ماكينلي». ووليام ماكينلي كان الرئيس الخامس والعشرين للبلاد، الذي توسّعت رقعة البلاد الاستعمارية في عهده. وجاء القرار أيضاً نكاية بأوباما الذي كان قد أصدر أثناء توليه الرئاسة، قراراً يوجّه وزارة الداخلية في أغسطس 2015، بإعادة تسمية الجبل رسمياً «دينالي» وذلك استجابة لطلبات تكررت لسنوات عديدة كان قد رفعها «مجلس الأسماء الجغرافية» في ولاية ألاسكا، الذي كان قد أعاد للجبل اسمه الأصلي محلياً. وهو الاسم الذي استخدمه الكويوكون، السكان الأصليون، منذ قرون وإلى الوقت الحاضر للإشارة إلى الجبل. ومعنى المفردة هو «العالي» أو «الكبير». كان ترامب قد حاول تغيير اسم الجبل أثناء فترة رئاسته الأولى، لكنه واجه معارضة. واللافت أن التسميات الأخرى هي تسميات لم يطلقها السكان الأصليون. ويعود إطلاق اسم ماكينلي على الجبل إلى عام 1896حين قرر أحد المنقبّين عن الذهب، من البيض، أن يسمّي قمة الجبل «ماكنلي» كبادرة لدعم، وليام ماكنلي، المرشح الرئاسي آنذاك.
كما تضمن القرار التنفيذي المذكور أعلاه تغيير تسمية «خليج المكسيك» إلى «خليج أمريكا». وفي أغسطس من هذا العام، أصدر ترامب قراراً تنفيذياً أثناء التوترات مع كندا يقضي بتغيير اسم «بحيرة أونتاريو» التي تفصل بين كندا والولايات المتحدة إلى «بحيرة أمريكا». وفي بداية هذا الشهر اقترح ترامب إطلاق اسمه على مضيق هرمز! لا يقتصر هوس ترامب على الجبال والبحيرات والخلجان، بل يشمل البنايات. فكان قد أصرّ أيضاً على وضع اسمه على واجهة «مركز كينيدي للفنون» في العاصمة، إلى جانب اسم الرئيس جون كينيدي (1917-1963). وذلك بعد أن حل ترامب مجلس الإدارة السابق وعيّن نفسه رئيساً لمجلس إدارة جديد مكون من الموالين له. لكن المحاكم رفضت قرار مجلس الإدارة واعتبرته باطلاً.
أما بيت هيغسيث وزير حرب ترامب، فهو يحذو حذو سيده أيضاً. فقد أصدر في فبراير أمراً بإعادة الأسماء السابقة إلى عدد من المعسكرات والقواعد العسكرية. كان انتشار تظاهرات حركة «حياة السود مهمة» في 2020 والجدالات التي رافقتها وأعقبتها حول ضرورة مساءلة الماضي ونقد العنصرية المؤسساتية، قد أدت، هنا وهناك، إلى تغييرات رمزية من جانب بعض المؤسسات الحكومية والخاصة. ومنها، في عهد الرئيس بايدن، صدور قرار من الكونغرس بتغيير أسماء عدد من القواعد العسكرية في الولايات المتحدة التي كانت تحمل أسماء قادة من الجيش الكونفدرالي الذي خاض الحرب الأهلية الأمريكية (1861-1865) نيابة عن ولايات الجنوب التي أعلنت انفصالها ورفضت إلغاء العبودية. يمكن أن نعزو رغبة ترامب في وضع اسمه على البنايات العامة، بعد أن كان يضع اسمه على الفنادق والأبراج التي يملكها، للنرجسية المفرطة التي يعاني منها، والتي أصبحت واضحة للعيان. أما الرغبة في إطلاق اسم «أمريكا» على كل بحيرة وخليج، ورفض استخدام الأسماء الأصلية والرغبة في محوها فهو تقليد وسلاح من ترسانة الاستعمار الاستيطاني التي تحفل بأسلحة العنف الرمزي أيضاً.
تغيير أسماء الأمكنة الأصلية عنف رمزي ومعرفي، فالاسم الجديد يشوّه ويمحو تاريخ المكان وذِكر سكانه الأصليين ويفرض عليه دلالات ومعان مختلفة، ويواصل اقتلاعه رمزياً. والأمثلة كثيرة، من شمال أمريكا إلى فلسطين.
كاتب عراقي
- الأفخم عمرانيا وزخرفيا.. شاهد منزل الأماصيلي الأثري في رشيد بالبحيرة
- رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يخطف الأضواء خلال اجتماعات الأمم المتحدة
- عمورة بتمريرتين حاسمتين يقود “الخضر” للفوز أمام زامبيا
- عاجل ـ مدبولي من نيويورك: الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة
- المغرب… وقفات بعدة مدن دعما لـ”الصمود الفلسطيني” ورفضا للتطبيع















0 تعليق