الأنبياء ومصر

منذ 2 ساعة

هذا كتاب مهم لعالم الآثار والباحث والمبدع أيضا في القصة والرواية حسين عبد البصير. له أعمال كثيرة مهمة عن الأساطير اليونانية، والحضارة المصرية القديمة، وأشرف على العمل الأثري في كثير من المتاحف، ويشغل الآن منصب مدير متحف الآثار في مكتبة الإسكندرية. الكتاب عنوانه «أنبياء الله ومصر القديمة» صادر عن دار «إنسان» المصرية.
الكتاب يدخل بك في منطقة مهمة، كانت عبر التاريخ محل نقاش، وهي قصص الأديان وحقيقة وجودها، وبصفة خاصة قصص الأنبياء، وهل حدث أن زار مصر أو وجد فيها الأنبياء، الذين جاءت قصصهم في التوراة، وانتقلت إلى القرآن الكريم.
بعد مقدمة يتحدث فيها عن الدور المركزي للدين، في تشكيل المجتمعات عبر التاريخ، وتجلياته في الإبداعات الفنية والمعمارية ودور العبادة، وتعزيز الدين للأخلاق والقوانين، يقطع رحلة مع تطور المجتمعات، وظهور الدين منذ مليوني ونصف عام، في شكل عبادة الطبيعة وغيرها، حتى التوحيد. ثم يشرح أهمية قصص الأنبياء التي تتعلق بمصر القديمة، وهي القصص التي وردت في اليهودية والمسيحية والإسلام. كيف صارت مجالا لدراسات تبحث العلاقة بين الدين والآثار، ويقدم بإيجاز النظريات التي بحثت ذلك، مثل نظرية التفاعل الثقافي التي ترى أن القصص الدينية، ليست معزولة عن السياق الثقافي والتاريخي الذي نشأت فيه، وأثر ذلك عليها، أو نظرية التفسير التاريخي والآثاري، التي تركز على استخدام الأدلة التاريخية والأثرية لفهم النصوص الدينية، وغيرها من النظريات التي تؤكد تعقد الموضوع.
ندخل إلى نشأة الأديان في مصر القديمة، منذ تعدد الآلهة إلى التوحيد مع أخناتون. كيف كانت في الحالتين تتعلق بالعلاقة بين الآلهة والبشر ودورة الحياة الأبدية. رحلة مع آلهة مثل آمون- رع إله الشمس والخلق، وإيزيس إلهة الخصوبة والسحر، وأوزيريس إله الحياة الأبدية والآخرة وغيرهم، حتى يأتي أخناتون بديانة التوحيد للآلهة وعبادة إله واحد هو آتون. أخناتون الذي حكم مصر خلال الأسرة الثامنة عشرة حوالي 1353- 1336 قبل الميلاد، وكيف كان للكهنة قبله نفوذ كبير في المعابد المختلفة للآلهة، ثم كيف تمت مقاومة الفكرة بعد وفاته، فعادت الديانات القديمة.
وقفة مع التحنيط وكيف كانت الحياة بعد الموت، محورية في الديانات المصرية القديمة، فالموت ليس نهاية الحياة، بل هو انتقال لعالم آخر، وكان الحفاظ على الجسد بالتحنيط حتى تجد الروح جسدها يوم الحساب، وتستمر في الاستمتاع بالحياة الأبدية في العالم الآخر، أو «حقول الإيارو» التي هي الجنة ونعيمها.
ندخل في قصص الأنبياء ومصر القديمة. وهي المشكلة التي شغلت الباحثين في كل الدنيا، ويؤكد الكاتب دائما أن عدم وجود آثار عليهم، لا يعني نفي القصص الدينية، لكن لكل مكانه فالدين للعظة وليس للعلم. يأخذنا في رحلة علمية مع ظهور الإنسان على الأرض وتطوره من خلال الآثار الباقية. والأشكال التي ظهر بها وخصائص كل منها، وكيف انتشر في العالم حتى وصلنا إلى الإنسان العاقل أو «الهومو سابينس»، وهو الاسم العلمي للنوع البشري الذي ينتمي إليه جميع البشر الحاليين. أقدم بقايا البشر من خلال الآثار في مصر وصفاتهم، مثل إنسان «نزلة الترامسة» وهي على ضفاف النيل جنوب معبد دندرة في قنا، التي عثر فيها على أقدم بقايا آدمية، لهيكل بشري عمره خمسة وخمسين ألف سنة، وهو هيكل لطفل كان في حوالي الثامنة، وتوجد بقايا الهيكل الآن في متحف الحضارة في منطقة الفسطاط، وأشكال أخرى من الهياكل العظمية وتاريخها.
بعد رحلة مع عصور الحضارة نأتي إلى سيدنا آدم، وكيف لا توجد أي نصوص قديمة، أو آثار تذكره بشكل مباشر، أو كما هي مروية في الكتب الدينية. هكذا يرى أن قصة سيدنا آدم تعود إلى أصول البشرية، التي سبقت تاريخ الحضارات المتقدمة مثل مصر القديمة. نأتي إلى نبي االله إدريس. مدخل عن أوزوريس في النطق اليوناني واسمه، وهو أوزير في اللغة المصرية القديمة، وكيف جعل البعض منهما شخصا واحدا.

أوزيريس ومعبده في أبيدوس. يأتي الحديث عن نبي الله إدريس المذكور في القرآن بحكمته ومعرفته، وكيف صار شخصية مهمة في كتب التراث بعد ذكره في القرآن، وكيف قالوا بوجوده في مصر، وأمثلة على قولهم بأن مكان قبره مثلا في أحد الأهرامات، لكن الحقيقة لا صلة بينهما، وما نسبه البعض لإدريس من بناء الأهرامات وعلم التحنيط، لا علاقة له به. هو شخصية دينية مهمة، لكن ليس هناك دليل تاريخي على وجوده مباشرة، ولا أثر له في النقوش المصرية في العصر القديم، أو اليوناني أو الروماني. نأتي إلى نبي الله إبراهيم. رحلة كالعادة مع من هو إبراهيم أو إبرام، أبو الديانات السماوية الثلاثة، اليهودية والمسيحية والإسلام. تذكر التوراة إنه انتقل مع زوجته سارة إلى مصر بسبب المجاعة. لا تذكر تاريخا محددا، لكن النصوص الدينية تحيلنا إلى زمن تقريبي، في الفترة ما بين القرن العشرين والثامن عشر قبل الميلاد. المجاعة في تلك الأزمنة، وكيف كانت وراء الرحلات. نقوش مصرية عن قدوم الآسيويين أو الساشو بقيادة زعيمهم إبشا أو إبشاي، حسب ذكره في التوراة إلى مصر.

البعض اعتبر أن إبشا هو إبراهيم باعتبار أن اسمه تغير مع الزمن، لكن لا دليل أثري على ذلك. يمكن أن يتقارب زمنهما، لكن ذلك لا يكفي للتطابق بينهما. ويتتبع سيرة إبراهيم وزواجه من هاجر المصرية، وما فعلته زوجته سارة معها، لكن إبراهيم لم يزر مصر كما تقول القصص الدينية، وإن ظلت حكايته تعكس التفاعل بين مختلف الحضارات. يأتي الحديث عن نبي الله يوسف. رحلته القريبة من رحلة سنوهي الذي عاد إلي وطنه مصر، وقام بعض الباحثين باعتبارهما قصة واحدة، بينما باحثون آخرون ربطوا بينه وبين «يويا» الذي كان يشغل منصبا عاليا في البلاط الملكي المصري، بادعاء أن يويا لم يكن من أصول مصرية، لنصل بعد البحث أنه لا علاقة بينهما. يأتي الحديث عن نبي الله داوود. بعد ذكر لأوصافه وأعماله، وكيف افترض بعض الباحثين إنه الملك المصري تحتمس الثالث من الأسرة الثامنة عشرة، وأن سليمان ابن داوود هو أمنحتب الثاني ابن وخليفة تحتمس الثالث. يتحدث عن التشابه بين أناشيد أخناتون ومزامير داوود. أناشيد أخناتون أو ترانيمه مكتوبة على جدران المعابد والمقابر الملكية، في عاصمة أخناتون في تل العمارنة، ويناقش الجانب الروحي في الاثنين، لكن النبي داوود لا أثر له في مصر وبالتالي لا أثر لسليمان.
يتوسع في الحديث عن أخناتون ونبي الله موسى، والدراسات التي حاولت الجمع بينهما، وإن اسم موسى يمكن أن يكون مشتقا من اسم مصري ويعني» ابن الماء» إذ «مو» تعني الماء، و»سي» تعني الابن، والحقيقة أن اسم موسى يعني «المولود». يناقش النظريات المختلفة في ذلك، ومنها ما كتبه فرويد في كتابه «موسى والتوحيد» لكن لا أثر يقول إن فرعون موسي هو رمسيس الثاني، ورغم ما تقدمه الكتب الدينية من سرد تفصيلي لوجود بني إسرائيل في مصر، فالإدلة الأثرية لا تفيدنا بذلك. نمشي مع أنبياء آخرين مثل يعقوب وإشعيا وهوشع والنبي دانيال وإرميا، لكن كل القصص في الأسفار اليهودية لا تعني وجودهم في مصر.
يستمر الكتاب ويدخل في حقائق متوارثة لها دلالات أثرية مثل رحلة العائلة المقدسة – مريم العذراء وعيسى- إلى مصر، ويقف عند محطات رحلة مريم العذراء إلى مصر، لكن لا يوجد دليل على وجود عيسى كشخصية تاريخية في المصادر المصرية. أما النبي محمد عليه السلام فطبعا لم يأتِ إلى مصر، لكن العرب كانوا يعرفونها في رحلاتهم التجارية، وأن يهديه المقوقس عظيم القبط بعد رسالته إليه التي يدعوه فيها للإسلام، ماريا القبطية وأختها سيرين، فيتزوج ماريا ويهب سيرين لحسان بن ثابت، فهو أمر حقيقي.
وهكذا تقطع رحلة مع دراسات مهمة في ما تناوله التاريخ والكتب الدينية، ليس هدفها التقليل من شأنها، لكن وضع كل منها في مكانه. الدين للعبرة والعظة والآثار للعلم والمعرفة.

كاتب مصري

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق