كيف الحال في الجزائر؟ يسألني صحافي إيطالي، إنه يعيش على مسافة هينة من بلدي، لا تبعد أكثر من ساعة ونصف الساعة بالطائرة. من شأنه أن يتابع الأخبار ويعفيني من السؤال. ثم تداركت: إن الإعلام في الداخل يعزف عليه الناس. وبالتالي من العسير أن يقتنع به متابع أو مشاهد من الخارج، لأن الجرائد مثل الفضائيات لا تبث أخبارا، بل تجتر أخبارا، تُخبر المشاهدين بالمعلوم. وعندما ألتفتُ إلى الصحافة الجزائرية أشعر بانقباض في القلب.. كيف وصلت إلى هذه الحالة من الضياع؟ إنها تدفع فاتورة تراكمات.
عقب استقلال البلاد في 1962، عاشت الصحافة أياما زاهية، ثم حادت عن الطريق، بعدما استوى هواري بومدين على كرسي الحكم ووجد في المعارضة صحافيين فحسب، على رأسهم محمد حربي (الذي ترأس مجلة الثورة الافريقية). أحاله إلى سجن ثم إقامة جبرية ثم منفى، ثم أدخل الصحافة إلى بيت الطاعة، لأن بومدين أدرك أن المعارضة السياسية من السهل إخماد صوتها بالإغراء والمناصب، والمعارضة الاقتصادية يمكن شلها بالتفاوض وبإصدار قوانين. بالتالي جعل من الإعلام مرمى للهدف وجردها من سلطة الرأي أو الاعتراض. هذه الصحافة التي كانت عمودا في حرب التحرير، ورافقت مسار الاستقلال، صار يُنظر إليها بعين الريبة. صارت تحت سقف الحزب الواحد واشتغلت آلة الشيطنة، في معاداة كل صحافي يكتب نقدا، أو تحليلا للوقائع أو الأرقام، وكل صحافي لا يلبس عباءة السلطة يوصم بالعميل.
إن تهمة العمالة ليست جديدة، بل لها جذور تعود إلى نصف قرن من الزمن، كل صحافي يُمارس الحق في التفكير يُنظر إليه كذراع لقوى أجنبية، أو إمبريالية أو رجعية. يواجه تهمة بعداوة الوطن. قد يكون الصحافي في اختلاف مع منظومة حكم، أو مع أفراد من هرم السلطة، ومن المبالغة أن ننظر إليه كخصم للوطن. مع ذلك تحولت المبالغة إلى قاعدة. قررت السلطة أن تكون بديلا عن الوطن، احتكرت التاريخ والجغرافيا والذاكرة، ومحت الاختلاف من العقول. صار المتحول ثابتا. وبات الصحافيون في مرمى الحجر، يُنظر إليهم نظرة شك عندما يخوضون في شأن لا يرضي الجهة الحاكمة. لا أحد يود أن يسمي الأشياء بمسمياتها، وأن الصحافي يقوم بدوره ولا رادع له سوى الضمير والصدق في المهنة. إذا قام بعمله كما ينبغي صار خصما لأحدهم، وإذا دخل إلى البيت الطاعة سوف يفقد مهنيته ولن يلتفت إليه جمهور الداخل.
الجزائر بلد يعج بالصحافيين، لكن الصحافة كمنظومة في غياب.. كلما حافظ صحافي على حريته يتحول إلى موضع اتهام، وكأن الحرية تهمة. الكثير من الصحافيين ـ وأنا واحد منهم ـ يعانون من ضيق الأفق وضبابية في الرؤية. على رأي أحدهم، إن كل صحافي لا يتهم بالعمالة فهو عميل بالضرورة. لأن من يمارس عمله بناء على ضمير سوف تنزل عليه سهام من حيث لا يدري. هكذا هي حال الصحافة، ومن الطبيعي أن يصير صوتها خافتا، لأنها تبغي إرضاء وجه جهة وليس إرضاء وجه المهنة، ومن المنطقي أن تجد نفسها تهيم في اللا معنى، ومن الطبيعي كذلك أن أرد على سؤال الصحافي الإيطالي بالقول: إن الجزائر بخير، حسب كلام الصحافة المحلية. وهل هي كذلك بالفعل في الواقع؟ إنه سؤال يحتمل أكثر من إجابة، ومن أكثر من زاوية. وفي حال توافرت البلاد على صحافة تليق بتاريخها وعراقتها فإن الصحافي الإيطالي سوف يعفيني من السؤال. لا يمكن أن نسأل أحدا من أمريكا عن الأحوال في واشنطن. ففي تلك البلاد تعيش الصحافة في تناسق بين الواقع والخبر، لكن هذا النوع من الأسئلة يوجه إلى مثقفين من بلاد تنحفر فيها فجوة بين المعلومة والحقيقة.
ولأن السؤال وُجه لي في ندوة أدبية، ظننتُ أن الأمر يتعلق بحال الجزائر في شؤون الأدب. وهذا سؤال آخر تتعسر الإجابة عليه. تمنيت أن أرد على السؤال بما أحلم به، أن الجزائر تؤمن بأدبها وبأدبائها، أن المكتبات في كل مكان والناس في وسعهم اقتناء الكتب في كل حين، أن الكتب تأتي كذلك من الخارج من دون حرج، أن لا كتاب يتعرض إلى سخط أو تشويه، وأن لا كاتب يتعرض إلى إساءة، أن الكاتب لا يُحاسب نظير فكرة أو جملة، وأن التخييل لا يُحاكم، لكن المكتبات في تقلص، وبالكاد نعثر على مكتبة في مدن داخلية شاسعة، كما إن الكتاب الجزائريين صاروا مثل المهاجرين غير الشرعيين، ينشرون أعمالهم في الخارج، ثم لا تصل أعمالهم إلى المكتبات في الداخل إلا بعد مشقة، إن الكاتب صار محل محاكمة أخلاقية نظير رواية، يواجه آراء تمنع الخوض في مواضيع بعينها، ومن يجرؤ عليها فإن مآله العقاب. وكلما تحالف جمهور فيسبوك وتيك توك ضد كاتب تقع مؤسسات في الفخ وفي هوى ذلك الجمهور، وتضيق على الكاتب هامش التنفس. بات إرضاء الأقلية الصاخبة في «السوشيال ميديا» أعلى مرتبة من الدفاع عن الأدب، من الكتاب من يسير عكس مجرى النهر، ومن يبدي رأيا غير رأي الأغلبية يصير محل غضب. إن الأدب هو ذاكرة الجزائر وهو العصب الذي يحكم تاريخها، هو نافذة تطل منها على المستقبل، مع ذلك يكفي أن تثير حفنة أشخاص في فيسبوك زوبعة ضد كاتب ويصير ذلك الكاتب محل استبعاد. أتذكر مولود معمري، واحد من كبار الكتاب في الجزائر، إثر محاضرة له عام 1980، عن الشعر الأمازيغي، ألغيت المحاضرة وقامت ثورة أطلق عليها (الربيع الأمازيغي)، مع ذلك لم يعترض طريقه شرطي، ولم يُمنع الكاتب في وقت لاحق من الكلام ومن المشاركة في النقاش في الداخل. أتذكر كاتب ياسين الذي وصل خصامه مع وزير للإعلام والثقافة إلى تشابك بالأيادي، مع ذلك لم يجرؤ أحد على جعل كاتب ياسين يصمت، أو يمنعه من مواصلة نشاطاته في الداخل. ثم أنظر إلى حال الكاتب في الزمن الراهن، هذا الكاتب يعيش خارج التاريخ الجزائري، والكثير من الكتاب محاصرون، مغيبون، لا اسم لهم ولا صورة في الإعلام العمومي، لا مكانة لهم في تظاهرات ثقافية، شطبت أسماؤهم من معرض الكتاب الدولي الوحيد، والسبب: إنهم يفكرون، إنهم لا يتنازلون عن حقهم في إبداء رأي، إنهم متهمون لأنهم غالبوا مجرى النهر ولم يتنازلوا عن صوتهم في الاختلاف.
أعود إلى بداية المقال، كيف أرد على سؤال الصحافي الإيطالي؟ تمنيت أن أرد عليه بلغة من اللباقة والدبلوماسية، لكن كيف يصير الكاتب لبقا عندما توصد في وجهه الأبواب في بلده؟ كيف يصير لبقا عندما يتحول التفكير إلى جرم؟ وكيف يصير الصحافي لبقا بدوره وهو يعلم أن اسمه في عداد (المتهمين) لأنه ببساطة لا يكتب تحت الطلب. كيف الحال في الجزائر؟ إنها بلاد تستحق أن تكون أحوالها بخير إذا أعادت الوصل بتاريخها، في الإعلاء من شأن أدبها لا الحط من شأن أدبائها، في حال آمنت بنفسها وصوبت بصرها نحو المستقبل، لا نحو مسايرة أهواء البعض في محاصرة صحافي أو كاتب.
كاتب جزائري
- رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يخطف الأضواء خلال اجتماعات الأمم المتحدة
- عمورة بتمريرتين حاسمتين يقود “الخضر” للفوز أمام زامبيا
- عاجل ـ مدبولي من نيويورك: الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة
- المغرب… وقفات بعدة مدن دعما لـ”الصمود الفلسطيني” ورفضا للتطبيع
- حمداني:”حققنا الأهم وسنستهدف تكرار الفوز أمام بوروندي”














0 تعليق