من علامات حصافة مارك كارني، الذي أمضى سنوات في منصب حاكم بنك إنكلترا قبل أن يقود الحزب الليبرالي للفوز بالانتخابات ويصير رئيسا للحكومة الكندية، أنه تفرد في الخطاب الذي ألقاه أوائل هذا العام في دافوس بالسبق إلى إعلان حقيقتين مهمتين عن التحولات الجيوسياسية الراهنة: أولا، أن ما يمر به العالم الآن ليس مرحلة انتقالية مثلما ساد الظن وإنما هو قطيعة مع النظام الدولي القائم منذ 1945؛ ثانيا، أن القوى الكبرى سائرة اليوم على المبدأ الذي صاغه المؤرخ اليوناني ثوسيديدس: أن «للأقوياء أن يفعلوا ما يريدون، ولا حول للضعفاء إلا تكبّد ما يحل بهم»، ولهذا فقد آن الأوان لأن تتعاون القوى المتوسطة سعيا إلى بلورة نظام دولي أكثر توازنا واستقرارا. وقال كارني، في صيغة لافتة، «إن على القوى المتوسطة أن تسلك مسلكا جماعيا منسقا لأننا إذا لم نكن حول المائدة فإننا سوف نكون على قائمة الطعام»، أي إننا إذا لم نكتسب، بفضل تحالفنا، قوة تجعلنا طرفا فاعلا في الساحة الدولية فإن القوى الكبرى سوف تلتهمنا فرادى، بلادا تلو بلاد.
بهذا تصدى كارني لمهمة رسم استراتيجية للعقلاء والضعفاء. وقد أتى أول برهان على وجاهة هذه الاستراتيجية أثناء الخطاب المهم الذي ألقاه أمام البرلمان الأوروبي في سترازبورغ الأسبوع الماضي تجاوبا مع إعلان رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فندرلاين، في بادرة لا مثيل لها، الترحيب بكندا عضوا مشاركا (أو عضوا منتسبا) في الاتحاد الأوروبي. وقد سارع كارني إلى قبول الدعوة شاكرا مشيدا بهذا التحالف القائم على «القيم المشتركة وليس على الصفقات»، في غمز من قناة تاجر العقارات الذي يشن على كندا حربا تجارية لا هوادة فيها ويثرثر عن ضمها بالقوة لجعلها الولاية الأمريكية الحادية والخمسين. صحيح أن أطرافا سياسية أوروبية وكندية ومنابر مهمة مثل الفاينانشل تايمز قد انتقدت هذه البادرة بدعوى أن قانون الاتحاد لا يتضمن «عضوية الانتساب»، وأن التباعد الجغرافي يجعلها غير ذات موضوع، وأن عشر دول أوروبية لم تصدق حتى الآن على الاتفاقية التجارية الموقعة مع كندا عام 2016، فأنّى بقبولها إذن داخل الاتحاد؟ ولكن هذه الانتقادات تغفل عن أن الأهم في هذه البادرة، ريثما تتبلور تفاصيلها العملية، هو رمزيّتها ورسائلها التي لا يمكن أن تُخطأ. فالقوى المتوسطة، التي تمثلها كندا والدول الأوروبية، ديمقراطيات ليبرالية في معظمها، أما القوى الكبرى، وأولها الولايات المتحدة، فهي جميعها اليوم قوى أوليغارشية تسلّطية توسعية.
آن الأوان لأن تتعاون القوى المتوسطة سعيا إلى بلورة نظام دولي أكثر توازنا واستقرارا
ولهذا أكد الكاتب الكندي دانيال بيلاند أن العضوية الأوروبية، حتى لو كانت ظاهرية غير فعلية، فهي إيجابية بالنسبة لكندا وكفيلة بأن تقنع قوى متوسطة أخرى كأستراليا ونيوزيلندا بأن الائتلاف مع مثيلاتها، ربما بسعيها هي أيضا إلى عقد اتفاقيات انتساب إلى الاتحاد الأوروبي، يمكن أن يفيدها في تأمين مستقبلها في عالم مخيف صار حليفها الأمريكي القديم فيه مزاجيا وافتراسيا. وأضاف أن كثيرا من البلدان خارج أوروبا أخذت تهتم بما حدث، حيث قال وزير التجارة الأسترالي إن بلاده قد صارت الآن على الصفحة ذاتها مع كندا، وإنها تراقب بكل اهتمام مساعي كارني الأوروبية. بل إن هذه المساعي قد أحدثت صدى حتى في بلدان أمريكا اللاتينية.
وقد كان الرأي عندي أن التاريخ سوف يسجل أن خطاب كارني في دافوس يبقى أهم خطاب سياسي لعام 2026، ولكن المثير للإعجاب أن خطاب سترازبورغ قد تفوق عليه ديباجة وأسلوبا. على أن الحقيقة أن الخطابين متكاملان فكرا ومقصدا، بدليل أن كارني استهل خطاب سترازبورغ بالقول: «سأحدثكم اليوم عن الطريقة التي ينبغي أن ندمج بها بُعدا جديدا في ردنا على القطيعة الجيوسياسية الراهنة». ومهد لذلك بالحديث عن الغابة التي اعتاد غوته التنزه فيها على مشارف فيمار والسنديانة التي تحمل اسمه، «ولما انعطف القرن العشرون منعطفا مظلما، وقعت سنديانة غوته أسيرة خلف أسلاك معتقل بوخنفالد المكهربة لتشهد في صمت على أكبر هزيمة أخلاقية منيت بها الإنسانية». ثم استذكر كارني أن الرؤيا التي رآها الشيخ في المشهد الأخير من «فاوست» هي رؤيا شعب حر على أرض حرة. واستشهد بقولة غوته «إنه لا يستحق الحرية والحياة إلا من يأخذهما كل يوم غلابا». وشرح كارني: «كل يوم، لا مرة واحدة عام 1945 أو 1956 أو 1989، بل كل يوم، بما ذلك هذا اليوم».
٭ كاتب تونسي
- وزارة الداخلية: حزب الأصالة والمعاصرة يفوز بالانتخابات البرلمانية في المغرب
- مصرع شاب وإصابة 2 آخرين في حادث سير بالبحيرة
- شاب يودي بحياة شقيقه بسبب خلافات أسرية بينهما في البحيرة
- محافظ الفيوم يشهد عقد قران وحفل زفاف إحدى الفتيات اليتيمات من الأولى بالرعاية
- الأفخم عمرانيا وزخرفيا.. شاهد منزل الأماصيلي الأثري في رشيد بالبحيرة















0 تعليق