انفجر جدلٌ هائل في فرنسا، وفي العالَم الفرانكفوني عامة، عقب نشر مجموعةٍ مجهولةِ الهوية على تويتر، اسمها «اكشفْ كلود الخاص بك»: Balance ton Claude، يوم 21 سبتمبر/أيلول الماضي، اتهاماً لرواية الكاتب الهايتي ـ الكندي ثيلسون أوريليان «كان هذا، أو الموت»: C’était ça ou la mort (التي فازت بجائزة «فناك» والمرشحة لنيل أكبر الجوائز الأدبية كجائزة غونكور)، بأن جزءاً كبيراً منها مولدٌ بالذكاء الاصطناعي، وبنسبة 100%!
هرعتُ لاقتناء الرواية وقراءتها، رغم أن دار نشرها، غراسيه، لم تعد مصدر جذبٍ لي، منذ أن تركها أهم كتابِها، بعد أن صارت مِلك ملياردير شديد التعاطف مع اليمين المتطرف؛ ومنذ أن لجأ إليها وإلى أموالِها بوعلام صلصال، الذي غادر دار نشرهِ الأصلية: غاليمار التي لم تتوقف مع ذلك عن الدفاع عنه حينذاك.
السؤال الذي يُهِمنا في هذا المقال، بعد تفجر قضية أوريليان: كيف يمكن كشف وبرهنة أن النص المنسوب إلى إنسانٍ ما «ملطوشٌ» من الذكاء الاصطناعي؟ نعود مع قضية أوريليان هذه، وهذا السؤال، إلى موضوع الإبداع الأدبي الآلي الذي تحدثت عنه في أكثر من مقال في «القدس العربي» في الأشهر الأخيرة.
في سياق الحديث عن أتمتة الإبداع الأدبي، يمكن تصور مستقبل الرواية ضمن ثلاثة أجناس: إنساني، وإنساني ـ آلي، وآلي:
“يبدو جليا الآن أن مستقبل الإبداع الروائي سيكون متنوعا وهجينا، وثريا أيضا. ستتضاعف فيه الإنتاجات الروائية التي سيكون للذكاء الاصطناعي فيها دور أكبر أو أقل، أكان ذلك بنسبة ما في مجمل النص، على غرار رواية اليابانية ري كودان؛ أو عبر حضور فعال غير مباشر، على غرار صاحبة نوبل 2018”.
لن يختفي الجنسُ التقليدي الروائي الإنساني الأصيل البحت، بالعكس. سيكون له حضورٌ ثابتٌ مرموق، بل ستزداد في هذا الجنس الرغبةُ في الحفاظ على صوتٍ إنساني نقي، «بلا شوائب»، من قِبَل كثيرٍ من «حراسِ معبدِهِ» الأشاوس. وسيظل تأثيره نوعيا متميزا أساسيا دوماً. بيد أن ما لا يمكن سبرُ أغواره، من الآن، هو مستقبل الجنس الثالث الأكثر غموضاً وفرادة: الإبداع الروائي الآلي المحض».
تحدثت بعدها طويلاً عن معالمِ هذا الجنس الثالث: أدب المستقبل. ولعل المستقبل بدأ اليوم!
الإجابة على السؤال المركزي لِهذا المقال ليست يسيرةً إطلاقاً، في الغالب.
قد تكون سهلةً نسبياً عند معرفة أسلوب الكاتب المعني بـ»اللطش»، قبل استخدامه الذكاء الاصطناعي، ومقارنته بما يكتبه اليوم، مع أخذ تطور أسلوب الكاتب بعين الاعتبار. يلزم، إلى جانب ذلك، دراسة أسلوب هذا الذكاء الاصطناعي أو ذاك، نوعياً وإحصائياً، في عددٍ مهم متنوعٍ من النصوص: تكررُ بعضِ عباراته وبعضِ بدايات فقراته، عموميات ردوده ومنطق تسلسلها، غياب الحديث فيها عن الذات والتجربة الشخصية… وإذا ما لاحظنا تكرر هذه الظواهر والإحصائيات نفسِها في نص كاتبٍ ما، يتحولُ عندها اتهامُه باللطش إلى فرضيةٍ جادة. قد لا يقود كل ذلك إلى أكثر من انطباعات افتراضية لا تسمن أو تغني من جوع، مع ازدياد مقدرات الذكاء الاصطناعي على توليد النصوصِ رفيعةِ المستوى، التي تُلبي طلبات الكاتب بِدقة، وتحاكي أسلوبه بمهارة. ولعل جودة مستواها كشفت (بفضل هذه الاتهامات لرواية أوريليان) عن هشاشة مقولات «الذكاء الاصطناعي غير قادرٍ على الكتابة الأدبية الراقية»: ها هو اليوم متهمٌ بكتابة أجزاء من أبرز روايات هذا العام!
وقبل رواية أوريليان، كشفتْ مسرحيةٌ كتبها الذكاءُ الاصطناعي كاملةً، على غرار فولتير، هذه الجودة الآلية التي نالت استحساناً شعبياً عالياً، تحدثت عنها في مقال سابق في «القدس العربي» أيضاً.
أذكرْ: احتاج الباحثون الذين أداروا مشروع المسرحية إلى سنتين، وإلى عددٍ كبيرٍ من «البرومبتات»، وإلى مس خوارزميات الذكاء الاصطناعي نفسه للوصول إلى هذه الجودة! أما المحاولات الفردية الكثيرة التي تسعى لجعل الذكاء الاصطناعي يكتب روايةً نيابةً عنها كليةً، فلم تستوعب كما يبدو ذلك، وتنتهي بأعمال تافهةٍ مرفوضةٍ يُرثى لها غالباً. بيد أن كشفَ «اللطشِ» الروائي، بمستوياته وأشكاله المتعددة، أصعبُ وأكثرُ تعقيداً من الاكتفاء بالانطباعات الافتراضية. ثم هو ضروري جداً، لا سيما في الجانب الأدبي، حيث الأسلوبُ الرفيعُ الخاص بالكاتب، المعبرُ عن ذاته، عمادُ النص وشرطٌ أخلاقي ضروري لِكتابته.
وها هو قد أضحى اليوم إشكاليةً معاصرةً ومستقبليةً، كما أجلتهُ قضية رواية أوريليان.
كيف يمكن الكشف إذن؟
اللجوء إلى الكواشف الآلية الجادة لِلنصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، والمستندةِ إلى طرائق عمل منطقية ناجعة (مثل بانغرام Pangram).
ليس لتصديق نتائجها على نحوٍ أعمى، بل باعتبارها فرضيات للجدل والتفنيد.
ينبغي الانتباه بهذا الصدد إلى ثمة كواشف آلية عقيمة، أحدها يظهر غالباً في مقدمة نتائج البحث عن هذه الكواشف في غوغل. عندما طلبتُ منه، من باب الامتحان، الكشفَ عمن كتب الآيات الأولى من سورة مريم، رد بأنها من تأليف الذكاء الاصطناعي بنسبة 76٪! ثم كررتُ السؤال عن مقطعٍ من «رسالة الغفران»، فكان الرد سخيفاً أيضاً. على العكس منه، برمجية بانغرام، التي استندَ إليها من اتهموا أوريليان بـ»لطش» جزءٍ كبيرٍ من روايته من الذكاء الاصطناعي، من طرازٍ آخر: أكثر مهنيةً وصواباً فعلاً. تستندُ هي نفسُها إلى الذكاء الاصطناعي، وإلى أهم طرائقه: «التعلم العميق بشبكة العصبونات الاصطناعية».
تدربتْ بفضل ذلك على ملايين النصوص الإنسانية من ناحية، وملايين نصوص الذكاء الاصطناعي الموازية من ناحية أخرى. واستخدمتْ، في هذا الإطار، تقنية «التعلم بالتعزيز» عبر التجريب والخطأ: يحصل الذكاء الاصطناعي على «مكافآت» عندما ينجح بمعرفة النص الإنساني أو الآلي، و «عقوبات» عندما يُخطئ. بهذه الآلية (مربط فرس تدريب الذكاء الاصطناعي) تتدربُ شبكة العصبونات الاصطناعية عموماً، للتعرف على الصور، أو لِهزيمة أبطال العالم في أصعب اللعب كـ«الغو» مثلاً: مع كل مكافأة أو عقوبة تزداد خبرة الذكاء الاصطناعي، قبل الوصول إلى ما يقترب من قمة الكمال.
كان رد بانغرام ناجحاً ودقيقاً على نصوصٍ قدمتْها إليه لامتحانه، بدءاً بأسئلةٍ سهلة كسؤال سورة مريم أو نص المعري. وانتهاءً بنصوصٍ خليطة معقدة، طلبتُ من تشاتجيبيتي مساعدتي في إنتاجها المشترك لمحاولة تضليل الكاشف الآلي أثناء امتحانه، لكننا الاثنين أخفقنا في ذلك.
في إحدى هذه التجارب الممتعة، قدمتُ لبانغرام مقدمة مقالي السابق في «القدس العربي» عن «المعلم ومارغريت». كان ردهُ أنه نص إنساني 100%، لكن عندما طلبتُ من تشاتجيبيتي حشرَ جملٍ إضافيةٍ بِقلمِهِ، داخل مقدمتي، رد بانغرام بأن نسبة الذكاء الاصطناعي في النص النهائي الجديد 32%، وقد أصاب في رده على نحوٍ دقيق! مع ذلك، يجدر قراءة ردودهِ غالباً كفرضيات لا أكثر، يلزم أن تُقرأَ بِعَينٍ نقدية. لأنه ليس معصوماً من الخطأ في هذه المرحلة الجنينية من عمره، ولأن ثمة أسئلةً مضادة تفرض نفسَها، مثل:
ماذا لو كانت طريقة الإنسان في تكرار الكلمات، أو في صياغة بدايات الجُمل، وغير ذلك من الأشكال سردية، تشبهُ نمطَ كتابة هذا الذكاء الاصطناعي أو ذلك؟
أو ماذا لو كان للكاتب الإنساني أسلوبٌ يُشبِه، بكل بساطة، أسلوبَ الذكاء الاصطناعي (الذي لا يتوقف هو نفسُه عن التعلم من أساليب الكتابات الإنسانية ومحاكاتها؟). ربما لذلك لم ينجرف الكثير من النقاد، ومن قرأوا أوريليان، باتجاه اتهامات مجموعة تويتر التي فجرت القضية، بل حافظوا على تقويمهم الإيجابي لروايته التي نالت إعجاب الكثيرين بجدارة، وأغاضت اليمين المتطرف خاصة، لِتعاطفها مع المهاجرين وسرد تراجيديات أوديسياتهم، من خلال راويها الذي هرب من تاهيتي إلى كندا، كما فعل أوريليان نفسه. ثم حدث شيءٌ جديدٌ في مساء 23 سبتمبر/أيلول: ثمة من عادوا لنصوصٍ أدبيةٍ قديمة كتبها أوريليان، سبقت الذكاء الاصطناعي التوليدي، اتهموه فيها «بسرقات أدبية لا يمكن إنكارها». موضوع هذه الادعاءات الطازجة جداً يخرج عن مجال هذا المقال، ولا يمكن خلطهما.
عموماً، ثمة حاجةٌ ماسة اليوم لدراسةِ أين يبدأ دور الآلة في التدخل بالنص الإنساني وأين يلزم أن ينتهي؟ ما المسموح به وما غير مسموح به عند اللجوء إلى الآلة؟ وكيف يمكن التمييزُ بين الحابل والنابل؟ ولأبحاثٍ نقدية تسمح باستيعاب كل أشكال ودرجات تغلغل اللجوء للآلة في الكتابة الأدبية، واكتساحها لها، إلى الحد الذي يمكن نعته باللطش. أما النصوص الأدبية الإنسانية ـ الآلية المشتركة، التي لا تخلو من مجهودٍ شخصي ملحوظ، أو التي لا يمكن نعتُها بـ»اللطش»، فيُحتملُ كثيراً، رضينا أم لا، أن تتطورَ، وتزدادَ إدهاشاً ونجاحات.
ختاماً، كان بودي الحديث عن أحداث رواية أوريليان المؤثرة الممتعة، بعيداً عن ضجة الجدل حول علاقتها بالذكاء الاصطناعي. لعل لي معها موعد آخر.
كاتب يمني
- مصرع شاب وإصابة 2 آخرين في حادث سير بالبحيرة
- شاب يودي بحياة شقيقه بسبب خلافات أسرية بينهما في البحيرة
- محافظ الفيوم يشهد عقد قران وحفل زفاف إحدى الفتيات اليتيمات من الأولى بالرعاية
- الأفخم عمرانيا وزخرفيا.. شاهد منزل الأماصيلي الأثري في رشيد بالبحيرة
- رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يخطف الأضواء خلال اجتماعات الأمم المتحدة















0 تعليق