كان بإمكان وزير الدفاع، إسرائيل كاتس، أن يخصص خطابه هذا الأسبوع في مراسم إحياء ذكرى ضحايا حرب يوم الغفران للأمر المشترك بين كارثة أكتوبر 1973 وكارثة أكتوبر 2023. كان بإمكانه أن يلمح لدور الحكومة، التي كان عضواً في مجلسها الوزاري الأمني المصغر، والتقصير الذي مكن من حدوث المذبحة في غلاف غزة قبل ثلاث سنوات. كان يمكن الحديث عن ضرورة تعلم الدروس المهنية، وعن واجب تجنب تكرار الأخطاء التي أدت إلى أكبر هزيمة في تاريخ الدولة، أو ربما التركيز على معاناة ضحايا الكارثة السابقة في الذكرى الـ 53 لها.
لكنه لم يفعل أي شيء من ذلك بالطبع. وكعادته، هاجم الأعداء وهدد بالانتقام منهم، إيران وتركيا، وخاصة حماس. وحذر بأنه “في حالة اختطاف جندي إسرائيلي أو مواطن إسرائيلي، سيتم تدمير مدينة غزة بالكامل، بأبراجها وبيوتها، وسيطرد سكانها البالغ عددهم مليون نسمة، وإرسالهم نحو الجنوب، وستعالج بنفس الطريقة التي عولجت بها رفح وبيت حانون” – المدينتان اللتان كادت إسرائيل أن بمحوهما عن بكرة أبيها. وللمرة الثانية، ظهر وزير الدفاع وكأنه يغار من سلفه يوآف غالانت، ويتوق إلى تسجيل اسمه في قائمة مذكرات الاعتقال التي أصدرتها محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.
بعد الخطاب، سارع شخص إلى تسريب تقرير إلى وسائل إعلام موالية حول خطة حماس لاختطاف جنود في شمال القطاع. وكالعادة، ثمة أساس استخباري لهذه المخاوف. وكالعادة أيضاً، يبدو مبالغاً فيها؛ لخلق ضجة سياسية قبل الانتخابات. في اليوم نفسه، جرت عملية مشابهة حول زيارة نتنياهو لإلقاء خطاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، فقد اضطر نتنياهو إلى حصر زيارته في 24 ساعة، وحتى وقت كتابة هذه السطور، فشل في إقناع الرئيس ترامب بالالتقاء معه، وهو اللقاء الذي كان من المفروض أن يتيح فرصة إعلامية حاسمة لحملته الانتخابية.
ما العمل إذاً؟ يزعم المسربون أن معلومات تهديدية كشفت عن نية المس بنتنياهو – في نيويورك، حيث انتشرت قوات الأمن التابعة لشرطة المدينة بكاملها، محيطة بعشرات من حراس الأمن التابعين لجهاز “الشاباك”، لذلك قطعت الزيارة.
ولإكمال الصورة يتفاخرون بسلسلة من اللقاءات السريعة مع رؤساء دول في أمريكا الجنوبية، ويبررون ذلك بأن نتنياهو في الواقع يسارع في العودة إلى البلاد للاحتفال بـ “عيد المظلة” على أرض إسرائيل.
في المقابل، لا يشير نتنياهو أو أي وزير آخر إلى ما أصبح واضحاً كتهديد خطير لمكانة إسرائيل الدولية: التراجع الكبير في دعم الشعب الأمريكي لها. فعلى خلفية الحرب في غزة، التي تظهر كحدث تاريخي، يعاد تشكيل علاقات جيل كامل في الولايات المتحدة تجاه إسرائيل والشرق الأوسط. هذه ظاهرة تتجاوز الانتماءات الحزبية، وإن كانت أكثر وضوحاً بين الناخبين للحزب الديمقراطي.
أظهر استطلاع لـ “سي.ان.ان” في هذا الشهر تحولاً جذرياً خلال ثماني سنوات: انخفاض بـ 67 نقطة في غير صالح إسرائيل، في مؤشر التعاطف العام (الفرق بين من لديهم موقف إيجابي ومن لديهم موقف سلبي)، من 51 نقطة تعاطف إلى 16 نقطة لديهم رأي سلبي. يكاد هذا الأمر لا يناقش، ويواصل نتنياهو الترويج لصداقته المزعومة مع ترامب، وهي الصداقة التي بدأت تظهر فيها تصدعات منذ زمن، وتزداد عمقاً مع ازدياد تعقيد المغامرة المشتركة لهما في الخليج الفارسي.
أوقات عصيبة
هناك أيضاً أخطار حقيقية تتربص على أرض الواقع، لكن حملة الليكود أكثر من تحركات نتنياهو السابقة، تظهر مرونة كبيرة في التعامل مع الواقع. في هذا الأسبوع، قتل المواطن الإسرائيلي نتنئيل شيكرون من مستوطنة “عيلي زهاف” برصاص فلسطيني في نبع في شمال رام الله، وفي حادثة أخرى، قتل جندي الاحتياط نيريا ليتر في عملية دهس بسيارة قرب حاجز “مكابيم”.
يخشى الجيش من تحركات أخرى يقوم بها إرهابيون أفراد، وموجة من هجمات المحاكاة، بعد نشر الفيديو الذي يوثق عملية الدهس. يأتي هذا ضمن سلسلة من الضربات الاستباقية المرتبطة بمواعيد محددة: الانتخابات في 27 تشرين الأول، أعياد “تشري” وموسم قطف الزيتون، وذلك في ظل تصاعد حاد في الهجمات العنيفة التي يشنها المستوطنون المتطرفون.
وكجزء من الاستعدادات الطارئة التي تم التخطيط لها مسبقاً، أمر رئيس الأركان، أيال زامير، الثلاثاء بنشر فرقة عسكرية أخرى في الضفة الغربية. وستتولى فرقة “يهودا والسامرة” مسؤولية المناطق الواقعة في شمال القدس، في حين ستتولى الفرقة 98، وهي فرقة احتياط نخبوية، مسؤولية منطقة بيت لحم والخليل.
وخلافاً لما قد يفهم، لا يوجد حالياً أي نقل كبير للقوات هنا. إن مقر الفرقة هو الذي سيصل إلى الضفة الغربية وليس الوحدات فيها، والهدف تخفيف بعض العبء عن فرقة “يهودا والسامرة”، المسؤولة عن قطاع واسع جدا. السؤال: كم سيستغرق الأمر حتى يتعرف المقر الجديد للفرقة على الوضع ويتعود على العمل الاستخباري الذي ينفذ في معظمه من قبل “الشاباك”؟ وماذا سيكون إسهامها الفعلي بخلاف إثبات أن هناك “تحركاً معيناً” في ظل تصاعد التوتر؟
مخدر الحرب
في خطاباتهما، بدءاً بمراسم إحياء الذكرى ومروراً بأفلام الفيديو الانتخابية وانتهاء بمنصة الأمم المتحدة مساء أمس، يصف نتنياهو وكاتس إسرائيل بأنها دولة نهضت بفضلهما من كارثة 7 أكتوبر (التي حدثت في عهد حكومة مجهولة)، ومنذ ذلك الحين أعادت ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية تفرض إرادتها على كل جيرانها. ويجد العميد المتقاعد آساف اوريون، من معهد بحوث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، صعوبة في الاقتناع بهذا الطرح.
صرح اوريون، الرئيس السابق لقسم الإستراتيجيا في هيئة الأركان العامة، لصحيفة “هآرتس” أن نتنياهو ووزراء حكومته يتحدثون عن “مفهوم أمني” انهار كما يبدو أمام هجوم حماس، وبالتالي، استبدل به مفهوم آخر. عملياً، لم تطبق المبادئ الأساسية للمفهوم السابق، ومنذ ذلك الحين اعتمدنا على مفهوم بديل دون أي نقاش حقيقي ودون اعتراض. ليس من الغريب إذاً أن يتحدث سموتريتش وأمثاله عن فترة معجزة: فمن ناحيتهم، تم تمهيد الطريق لهزيمة حماس بعد المذبحة. في الضفة الغربية، هناك حملة حكومية واضحة تجري لضم وطرد وتنفيذ خطة الحسم، التي تدار من الطابق الـ 15 في وزارة الدفاع (حيث مكتب سموتريتش، الوزير الثاني في وزارة الدفاع والمسؤول عن الضفة الغربية).
وحسب أقوال سموتريتش، فـ “على الجبهات الأخرى نحتل مناطق أمنية ونحمي الحدود من أراضي الدول المجاورة ونتحدث عن حرب مستمرة. في بداية الحملة، قال نتنياهو إن الأموال لن تكون مشكلة، لكن في الواقع تخوض إسرائيل حرباً شرسة تتجاوز قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على التحمل والإنتاج وتستنزف القوة العاملة في نظام الاحتياط إلى أقصى حد. في الواقع، ما كانت الحرب التي استمرت ثلاث سنوات ستكون ممكنة لولا ترسانة السلاح الأمريكي، التي من المشكوك فيه أن تتوفر لنا في المستقبل.
“حتى اليوم يوقف ترامب هجمات الجيش الإسرائيلي المخطط لها بمكالمة هاتفية، يتحدث نتنياهو عن “سوبر إسبرطة”، لكن جزءاً كبيراً من سلاسل الإمداد موجود خارج حدود البلاد. بالكاد يسألون إذا كان المفهوم الجديد يندرج ضمن إطار مواردنا المتاحة. في النهاية، من الواضح أن الحقائق ستظهر بعد الانتخابات، وعندها ستكون حاجة إلى رفع الضرائب”.
في السابق، عندما كنا ننخرط في التخطيط الاستراتيجي كنا نتساءل: سنشن عملية عسكرية، وماذا سيحدث بعد ذلك؟ وما التكلفة التي سندفعها؟ وكيف نحول التحركات العسكرية إلى إنجاز سياسي؟ أما الآن فنخوض الحرب وكأنه لا توجد أي قيود. الأمر يشبه تطوير طائرة دون مراعاة الجاذبية. يقول أوريون إن مزيج صدمة 7 أكتوبر والتلاعبات السياسية دفع الجيش الإسرائيلي إلى تآكل المعايير والقيم، وجعل المجتمع الإسرائيلي في حالة لامبالاة تجاه تكلفة الحرب، بما في ذلك الخسائر في الأرواح التي تتكبدها إسرائيل. الحرب تشبه المخدر: تزيد من حماسة العامة وتخدر مشاعرهم تجاه التكلفة.
لقد قمنا بتبني منطق يشبه المنطق المغولي على طريقة جنكيز خان: لن تكون هناك بلدات وقرى في لبنان وفي غزة قرب الحدود، وعندها لن يختبئ الإرهاب وراء مواطنيها. أصبح هذا هو المعيار. هدف الحرب هو النصر المطلق، كأفق لا يمكن الوصول إليه. هذا يخلق بالفعل حرباً لا نهاية لها، وهو أمر مفيد سياسياً للحكومة، لأنه يحد من الاحتجاج والانتقاد بذريعة “اصمت، إنهم يطلقون النار”. عندما يجتمع نتنياهو مع هيئة الأركان العامة ليرفع النخب قبل رأس السنة العبرية، يتحدث عن هدف إسقاط النظام في إيران، ولم يعد يتحدث عن تهيئة الظروف التي تسمح بذلك في المستقبل، على المدى البعيد. إذا كانت الإنجازات كبيرة كما يقول، فلماذا تستمر الحرب على جبهات كثيرة وتتضخم النفقات الأمنية إلى مستويات قياسية بطريقة قد تقوض أسس قوتنا الوطنية.
عاموس هرئيل
هآرتس 25/9/2026
- محافظ الفيوم يشهد عقد قران وحفل زفاف إحدى الفتيات اليتيمات من الأولى بالرعاية
- الأفخم عمرانيا وزخرفيا.. شاهد منزل الأماصيلي الأثري في رشيد بالبحيرة
- رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني يخطف الأضواء خلال اجتماعات الأمم المتحدة
- عمورة بتمريرتين حاسمتين يقود “الخضر” للفوز أمام زامبيا
- عاجل ـ مدبولي من نيويورك: الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة


















0 تعليق