“التهجير أولويتنا”… هل تتحول سياسة إسرائيل تجاه غزة إلى كمين يقصم ظهرها إقليميا؟

منذ 7 ساعة

حنان حمد، التي تعيش في مبنى مدمر في حي صبرا جنوب مدينة غزة، ربما لم تسمع الأخبار الجديدة الواردة من نيويورك هذا الأسبوع. فقد أعلن مجلس السلام برئاسة ترامب عن خطة جديدة لتمويل 66 مشروعاً، بمبلغ إجمالي 2.45 مليار دولار للأشهر الستة الأولى. يمكن الافتراض أن حنان حمد لم تعجب كثيراً بالبيان المشترك لوزراء خارجية الدول العربية والإسلامية، الذين طلبوا من ترامب تسريع تنفيذ خطة السلام في غزة. ولم ينسوا بالطبع الإشادة بـ “قيادة الرئيس ترامب”، مع التأكيد على الدور الرئيسي للولايات المتحدة في ضمان تنفيذ الخطة الشاملة.

ودعا وزراء الخارجية إلى “استمرار المشاركة الأمريكية الفعالة لضمان وفاء كل الأطراف، بما في ذلك إسرائيل، بالتزاماتها وتعهداتها، وتذليل العقبات التي تعترض تنفيذ “خارطة الطريق”. تحتاج حمد بالفعل إلى خارطة طريق، لكنها خارطة ترشدها إلى نوع من الاستقرار والحماية، وتمكنها هي وأبناء عائلتها الـ 15 الذين يعيشون معها من العيش بأمان دون الخوف من انهيار السقف فوق رؤوسهم.

كانت حادثة مشابهة قبل عشرة أيام لعائلة أخرى انهار المبنى الذي يعيشون فيه في حي الرمال، ما أدى إلى موت 21 شخصاً. وقالت حمد لقناة “الجزيرة” في مقابلة معها إن كل يوم يمر دون أن ينهار المبنى فوقها هو معجزة. اضطر ابنها إلى اقتراض ألف دولار لشراء دعامات حديدية لتدعيم السقف المتداعي، لكنها لا تعرف كيف ستتمكن من تسديد القرض. وعندما سئلت عن سبب عدم مغادرتها قالت: “إلى أين سنذهب؟”.

لا نستطيع تحمل تكلفة استئجار بيت آخر. فقد ارتفعت الإيجارات في غزة بشكل جنوني. ففي حين كان يمكن الحصول على شقة ملائمة بمبلغ 700 شيكل في الشهر قبل الحرب، فقد أصبح السعر الآن يتجاوز 3 آلاف شيكل. وهي غير مستعدة للانتقال إلى خيمة، فقد سئمت من هذه التجربة القاسية التي عانت فيها عائلتها من مطاردة الفئران والقوارض الأخرى، وتغلغل المطر في كل زاوية، ولم يتركها البرد الشديد ترتاح. وبشكل عام هناك نقص حاد في الخيام الصالحة للسكن. فالخيام التي نصبت قبل ثلاث سنوات أصبحت ممزقة ومتهالكة. تصل خيام جديدة، لكن منظمات الإغاثة المكلفة بنصبها تجد صعوبة في إيجاد أماكن فارغة في المناطق التي تتقلص مساحتها بسبب توسع منطقة سيطرة الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، حيث تقلصت مساحة العيش إلى حوالي 100 كم مربع.

على مقربة من هناك تقوم عائلة أخرى بتفكيك خيمتها ونقلها إلى مكان مرتفع. إنهم يعرفون ما سيحدث عند هطول الأمطار بعد بضعة أسابيع، حيث ستغمر المياه الخيمة مثلما حدث في المرة السابقة.

لقد دمرت حوالي 330 ألف وحدة سكنية بشكل كامل، وتضررت 80 ألف وحدة أخرى بشكل جعلها غير صالحة للسكن، وتصنف 77 في المئة من العائلات بأنها نازحة.

من الصعب العثور على تقارير في وسائل الإعلام الإسرائيلية حول الأوضاع المعيشية في المنطقة التي تسيطر عليها حماس. في أفضل الحالات، تركز التقارير على وصف سيطرة حماس المدنية وآلياتها، لكن عندما يتعلق الأمر بالحياة اليومية تبدو وكأنها منطقة منكوبة على هامش العالم لا تعني إسرائيل. لقد حظي اللاجئون الأيغور أو النازحون النيباليون بتغطية إعلامية واسعة النطاق عندما تحولت قضيتهم إلى “قصة إنسانية”.

يبدو برنامج مجلس السلام واعداً على الورق. فقد خصص حوالي 400 مليون دولار لبناء مساكن مؤقتة، وفقاً لبنود أخرى لإزالة الأنقاض، وإعادة تأهيل المستشفيات، وشبكات المياه والكهرباء، ودعم الشرطة، وتمويل قوة الاستقرار الدولية. ولكن هذا المبلغ الأولي ضئيل مقارنة مع الاحتياجات الهائلة. ويقدر البنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي أن احتياجات إعادة الإعمار ستصل إلى 71.4 مليار دولار على مدى عقد، منها 26.3 مليار دولار مطلوبة خلال الأشهر الـ 18 الأولى لاستعادة الخدمات والبنى التحتية الأساسية. ومثلما هي الحال مع الالتزامات السابقة الضخمة، يبقى مصدر هذه الأموال غير واضح، وإذا كان يمكن استخدامها دون إصدار أمر رسمي من ترامب.

تجدر الإشارة إلى أنه خلال الاجتماع الرسمي لمجلس السلام، تعهدت الدول المشاركة في المشروع بالإسهام بمبلغ 17 مليار دولار. وتعهد ترامب شخصياً بالإسهام بمبلغ 10 مليارات دولار. حسب المعلومات المتوفرة حتى الآن لم يتم تحويل إلا أقل من 300 مليون دولار. لكن الالتزام المالي ليس إلا الجزء الأسهل من مسار التحديات. كان من المفروض أن يدير مجلس السلام أموال التبرعات من خلال صندوق خاص، لكن تبين أنه صندوق فارغ.

في الوقت نفسه، فتح المجلس حساباً خاصاً في بنك “جي.بي.مورغان” دون تقديم أي أسباب مقنعة، ربما لتجاوز الإجراءات البيروقراطية المعقدة للبنك الدولي. ولا يعرف على وجه الدقة حجم الأموال الموجودة في هذا الحساب وكيفية إدارتها.

في حزيران الماضي، وجهت جين شاهين، السناتورة البارزة وعضوة لجنة العلاقات الخارجية، رسالة شديدة اللهجة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، انتقدت فيها بشدة وقالت: “منذ توقيع ميثاق مجلس السلام في كانون الثاني 2026، وعقد الجلسة الأولى برئاسة ترامب في الشهر التالي، بقي الكونغرس غائباً بدرجة كبيرة عن عمل المجلس، حتى مع سعي الإدارة لتحويل عشرات ملايين الدولارات من الأموال الأمريكية إليه. وبينما أؤيد بشدة جهود إعادة الإعمار الجادة والمسؤولة في غزة، فإن افتقار المجلس للمساءلة والمعايير والوضع القانوني كلها تثير تخوفات جدية حول الاستخدام المسؤول لأموال دافعي الضرائب الأمريكيين”.

لم ترسل ولن ترسل مثل هذه الرسائل إلى زعماء الدول العربية، التي لا تعدّ الرقابة والإدارة السليمة جزءاً من آليات إسهامها، ولكن حتى هؤلاء – الذين تعهد بعضهم بالإسهام بمليار دولار، الأمر الذي سيؤهلهم لعضوة دائمة في المجلس – ليسوا في عجلة من أمرهم لملء خزائن مجلس السلام. والأهم، حتى لو تم تسلم التبرعات أو بعضها، فسيتعين عليها عبور حقل ألغام يبدو حالياً مستعصياً حتى تصل إلى هدفها.

لم يتم تشكيل قوة استقرار دولية بعد. صحيح أن القادة المغاربة قد انضموا بالفعل إلى مقر قوة الاستقرار، لكن لم يتم نشر أفراد الشرطة والجنود المغاربة في الميدان، بينما اكتفت أوغندا حتى الآن بإعلان التزامها بإرسال قوات، لكنها ما زالت غائبة عن المشهد. أما القضية المحورية فهي الشرطة الفلسطينية، التي من المفروض أن تعمل تحت إشراف مجلس الخبراء الفلسطيني.

حسب المعلومات المتوفرة، اجتاز حوالي 5 آلاف شرطي فلسطيني الفحص الأولي من بين حوالي 250 ألف مرشح تقدموا بطلبات للانضمام إلى القوة. ومن المفترض أن يحصل هؤلاء على التدريب والتأهيل في مصر، لكن إسرائيل تمنعهم من مغادرة قطاع غزة.

من دون قوة شرطة فلسطينية فعالة، لن تتمكن قوة الاستقرار الدولية من البدء في عملياتها، ومن دونها لن تتمكن خطة إعادة الإعمار من الانطلاق أيضاً. كشرط أساسي، تطالب إسرائيل حماس بنزع سلاحها قبل بدء عمليات إعادة الإعمار، التي تشمل، إضافة إلى بناء وحدات سكنية مؤقتة وإعادة تأهيل البنى التحتية للمياه والكهرباء، إزالة عشرات ملايين الأطنان من الأنقاض وتحديد مكان المتفجرات وتفكيكها وإخلاء السكان وتوفير مواد البناء وإنشاء نظام شرطة محلية وقضاء.

يجسد الشرط الذي تفرضه إسرائيل مفارقة واضحة؛ فإسرائيل تسعى إلى فصل مسؤوليتها الأمنية عن مسؤوليتها تجاه الواقع المدني في قطاع غزة. من ناحيتها، تعتبر الأراضي التي تسيطر عليها حماس منطقة خارجة عن سيطرتها، لذا فإن حماس هي الجهة المسؤولة مباشرة عن كل ما يحدث هناك. مع ذلك، لا وجود لهذا الفصل في الواقع السياسي والعملي على الأرض. فخطة إعادة الإعمار نفسها مشروطة باتفاقات مع إسرائيل، وانسحاب إسرائيلي تدريجي من القطاع وفتح الطريق أمام آلية حكم وقوة دولية لدخول القطاع.

فخ الجمود

يؤكد مجلس السلام أيضاً أن الانتقال إلى إعادة الإعمار يعتمد على تنفيذ التزامات إسرائيل وعملية مشتركة لنزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي. وبالتالي، حتى من دون السيطرة الفعلية على المنطقة التي يتركز فيها معظم السكان، تبقى إسرائيل لاعبة رئيسية تحدد إمكانية وتوقيت الانتقال من الحرب إلى المرحلة التالية. مع ذلك، بينما تملك زمام الأمور المتعلقة بالحركة والأمن ودخول الهيئات الدولية، فهي تحتاج إلى آلية مدنية في غزة لا تمثل حماس، آلية قادرة على احتواء القطاع دون إعادة ملء الفراغ.

هنا يكمن الفخ. فكلما زاد الوضع المدني سوءاً زادت الصعوبة في إيجاد بديل لحكم حماس. ولكن من ناحية إسرائيل، فإن إعادة الإعمار قبل نزع سلاح حماس ستمكنها من إعادة بناء ذاتها، جنباً إلى جنب مع إعادة بناء القطاع. هذه معادلة مبنية على فكرة أن الجمود في غزة يصب في مصلحة إسرائيل. لم تعد حماس تشكل تهديداً أمنياً لإسرائيل، لكن ما دامت السيطرة على القطاع مستمرة فستبقى في يد إسرائيل ذريعة لاستئناف الحرب، وإذا بقي القطاع مدمراً وغير صالح للسكن، سيزداد الضغط على سكانه للمغادرة.

وقد صرح وزير الدفاع إسرائيل كاتس، بأنه “لا حل حقيقياً لغزة دون الهجرة”. وفي الأسبوع الماضي، رداً على انتقاد عوفر فنتر لـ “التردد”، كتب كاتس أن “الجيش الإسرائيلي مستعد إذا تلقى توجيهات بالقضاء على حماس، لاستكمال المهمة حتى نتمكن من تنفيذ خطة التهجير”. مع ذلك، محاولة الاعتماد على هذا الواقع قد تتحول إلى فخ؛ فاستئناف الحرب في القطاع سيتعارض مع التوقعات الأمريكية والدولية بإنهاء الحرب، وستواجه الهجرة من غزة، في المقام الأول، معارضة من مصر، فضلاً عن المعارضة الأمريكية والدولية. لذا فإن حالة الجمود التي تظهر ملائمة لإسرائيل على المدى القصير، قد تصبح في الواقع المصدر الأكبر للضغط عليها.

تسفي برئيل

هآرتس 25/9/2026

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق