نسبة الفقد 18.93% في بيان الوزارة أم 19.27% طبقًا لـ «القابضة لكهرباء مصر»؟
أسئلة كاشفة تحاصر بيانات المرفق الحيوى بين معدلات الأعطال وبند «أخرى» المجهول
فى ملف خدمى وحيوى كملف الكهرباء، لا يحتاج الاشتباك الصحفى مع البيانات الرسمية إلى الاعتماد على مصادر مجهولة، ولا الدخول فى سجالات عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ تكفى الوثائق الرسمية نفسها، حين تُوضع أرقامها جنبًا إلى جنب، لتبدأ لغة الحساب والمنطق فى طرح أسئلتها الكاشفة.
وكان البيان الأخير لوزارة الكهرباء والطاقة المتجددة الموجه للرأي العام والإعلام قد تضمن عرضًا لمجموعة من المؤشرات التى تؤكد تحسن أداء القطاع، بالتوازى مع انتقادات حادة وجّهتها الوزارة لبعض التقارير الإعلامية التي اتهمتها بعدم الدقة.
غير أن المراجعة الهادئة والموضوعية لأوراق الوزارة نفسها- مقارنة بتقارير الشركة القابضة لكهرباء مصر ووثائق وزارة التخطيط- لا تستهدف التشكيك أو إطلاق الاتهامات، بل تقف عند فوارق حسابية وألغاز فنية تحتاج إلى تفسيرات رسمية واضحة أمام الرأى العام، حيث تفتح «فيتو» ملف الأرقام الرسمية لقطاع الكهرباء، وتضع المؤشرات المتضاربة تحت المجهر عبر قراءة استقصائية للوثائق والمستندات.
تبدأ أولى المفارقات من أزمة حساب نسبة الفقد فى الشبكة الكهربائية؛ فبينما تؤكد وزارة الكهرباء أن نسبة الفقد شهدت منحنى تنازليًا هابطًا من 19.66% خلال العام المالى 2023/ 2024 إلى 18.93% فى 2024 /2025، ثم واصلت الهبوط إلى 17.67% فى 2025 /2026، تكشف العودة إلى التقرير السنوى الصادر عن الشركة القابضة لكهرباء مصر عن العام المالى 2024/2025 عن معادلة مختلفة. فقد بلغ إجمالى الطاقة المشتراة نحو 188.561 مليار كيلووات/ساعة، مقابل طاقة مبيعة بلغت 152.233 مليار كيلووات/ساعة، ليصبح الفارق بينهما- وهو حجم الطاقة المفقودة- نحو 36.328 مليار كيلووات/ساعة.
وحين نُجرى الحساب المباشر بقسمة الطاقة المفقودة على إجمالى الطاقة المشتراة، تظهر النتيجة الحسابية المباشرة عند 19.27%، وهو ما يضع النسبة المعلنة من الوزارة (18.93%) أمام فارق قدره 0.34%. ورغم أن هذا التباين قد يعود إلى قواعد محاسبية خاصة، أو استبعاد كميات محددة، أو اختلاف منهجية حساب الفقد الفنى عن الفقد التجاري، إلا أن غياب التفسير الشفاف للمعادلات المستخدمة يترك الرقمين فى موضع تناقض يتطلب توضيحًا فنيًا من مسؤولى القطاع.
ولا يتوقف الارتباك عند حدود الأرقام المحققة بالفعل، بل يمتد إلى المستهدفات الرسمية المدرجة بملفات الحكومة نفسها للعام المالى ذاته. ففى 16 أبريل 2025، وأثناء عرض مشروع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لعام 2025 /2026 أمام مجلس النواب، أعلنت وزارة التخطيط استهداف خفض الفقد إلى 13% مقارنة بـ 19.4% عام 2023 /2024، وهى الخطة التى أقرها البرلمان نهائيًا فى 17 يونيو 2025.
غير أنه فى 1 سبتمبر 2025، أصدرت وزارة التخطيط تقريرًا تفصيليًا آخر عن مستهدفات قطاع الكهرباء للعام نفسه، ورد فيه أن المستهدف هو خفض الفقد إلى 16.5%. وأمام هذا التباين الشديد بين وثيقتين رسميتين صادرتين عن الجهة نفسها وللعام المالى ذاته، يبرز السؤال عن الرقم المفترض اعتماده كمستهدف نهائى للدولة. والأهم من ذلك أن إعلان وزارة الكهرباء تحقيق نسبة فقد فعلية بلغت 17.67% فى 2025 /2026 يعنى أنه حتى بفرض اعتماد المستهدف الأسهل والأعلى (16.5%)، فإن النسبة المحققة تظل أعلى من المستهدف بـ 1.17 نقطة مئوية، ما يؤكد عدم الوصول إلى الهدف المحدد بخطة الدولة المعلنة.
وعلى مستوى التفاصيل الرقمية لبيانات المشتركين، تظهر سقطات حسابية إضافية تضع الدقة الإحصائية للبيانات الرسمية تحت التساؤل. أعلنت الوزارة وصول إجمالى عدد المشتركين إلى 45.4 مليون مشترك، واستعرضت تفصيلهم بين 22.7 مليون مشترك بالعدادات مسبقة الدفع و22.6 مليون مشترك بالعدادات العادية. وبعملية جمع بسيطة لهذين الرقمين (22.7 + 22.6)، تظهر النتيجة الحسابية عند 45.3 مليون مشترك فقط، ما يعنى وجود فارق قدره 100 ألف مشترك غائب بين الإجمالى المعلن ومجموع جزئياته.
ورغم أن القائمين على إعداد البيان قد يعزون هذا الفارق إلى قواعد تقريب الأرقام العشرية، إلا أن تقديم بيانات إحصائية موجهة للإعلام وللرأى العام يتطلب استعراض الأعداد الفعلية بدقة تامة منعًا لظهور مثل هذه الثغرات الحسابية.
وتزداد الصورة تعقيدًا عند مراجعة طلاسم مؤشرات جودة الخدمة والأعطال التى استشهدت بها الوزارة للتدليل على تحسن التغذية الكهربائية مقارنة بعام الأساس 2021/2022. فقد ذكر البيان أن متوسط زمن العطل لكل مشترك انخفض من 147 إلى 103 دقائق، وتراجع متوسط عدد مرات الانقطاع من 1.7 إلى 1.3 مرة، وانخفض متوسط زمن الفصل لكل انقطاع من 88 إلى 75 دقيقة.
لكن النتيجة الرياضية المباشرة لقسمة إجمالى زمن الانقطاع على عدد المرات (103 دقائق ÷ 1.3 مرة) تعطى متوسط زمن فصل قدره 79.2 دقيقة، وليس 75 دقيقة كما أعلن البيان الرسمي. تفتح هذه الفروق الحسابية الباب أمام أسئلة معيارية حول التعريف العلمى والمعادل المحاسبى المعتمد لدى الوزارة لكل مؤشر، وعما إذا كانت انقطاعات تخفيف الأحمال أو عمليات الصيانة المخططة تُستبعد من هذه الحسابات أم تدخل فى نطاقها.
ولا تقف المساحات المظلمة عند هذا الحد، بل تمتد إلى كيفية عرض توزيع الاستهلاك وحساب نسب الزيادة المعلنة. فاستعراض هيكل الاستهلاك يظهر أن القطاع المنزلى يستحوذ على 38%، والصناعى 27%، والحكومى والمرافق 10%، والتجارى 6%، والزراعى 4.4%، والإنارة العامة 2.4%. وبجمع هذه القطاعات تصل النسبة الإجمالية إلى 87.8%، لتبقى نسبة 12.2% كاملة مسجلة تحت بند مبهم أسمته الوزارة «أخرى»، وهو بند يمثل وحده نحو عُشر استهلاك مصر من الطاقة دون أى تفصيل لمكوناته.
يرافق ذلك غياب كامل لأرقام الأساس فى النسب المئوية الكبيرة التى احتفى بها البيان؛ حيث أعلنت الوزارة تحقيق زيادة بنسبة 62% فى حصيلة محاضر سرقة التيار بإجمالى 18.67 مليار جنيه، وزيادة بنسبة 60% فى تركيب العدادات الكودية بإجمالى 3.1 مليون عداد، دون التنويه صراحة بأن أرقام المقارنة فى الفترة المناظرة كانت فى حدود 11.5 مليار جنيه و1.94 مليون عداد على التوالي، وهو ما كان سيعطى قراءة أكثر وضوحًا لحجم التغير الفعلى بعيدًا عن اكتفاء البيان بالنسب المئوية المجردة.
تؤكد «فيتو» أن استعراض هذه الأرقام والوثائق لا يستهدف مصادرة ما تحقق من جهود فى هذا المرفق الحيوي، بل يفرض على وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة تقديم إجابات رسمية ومحددة للرأى العام الذى ينتظر توضيح السبب الفنى للفارق بين نسبة الفقد المعلنة ونظيرتها بالحساب المباشر لأوراق الشركة القابضة، وتفسير تضارب مستهدفات خفض الفقد فى وثائق وزارة التخطيط بين 13% و16.5%، وبيان أسباب عدم الوصول إلى المستهدف المعتمد، فضلًا عن كشف مصير الـ 100 ألف مشترك المفقودين فى الحساب التفصيلي، وتبيان المعادلة الدقيقة لحساب مؤشرات الأعطال والانقطاعات، وتفكيك البند الغامض الذى يستحوذ على 12.2% من الاستهلاك.
إن الشفافية والمكاشفة بالأرقام الموحدة والقابلة للمراجعة تظل هى المعيار الوحيد لبناء الثقة بين المرفق والمواطن، بعيدًا عن بيانات النفى أو الاكتفاء بالأمور العامة.
- مدبولي: نرفض بشكل قاطع أي محاولة لتهجير الشعب الفلسطيني
- موعد مباراة منتخب مصر أمام جنوب السودان في تصفيات أمم إفريقيا
- منتخب المغرب يضرب الجابون بهدفين في تصفيات أمم إفريقيا (فيديو)
- مبابي يقود فرنسا للفوز على تركيا بهدف في دوري الأمم الأوروبية
- بلجيكا يخطف فوز غالي من إيطاليا بثنائية نظيفة في دوري الأمم الأوروبية
















0 تعليق