لماذا قدّس بعض العرب القمر؟.. حين صار ضوء الليل صديق الصحراء

منذ 4 ساعة

لم يكن القمر مجرد جرم سماوي في حياة العرب قبل الإسلام، بل احتل مكانة بارزة في المخيلة والمعتقدات لدى بعض الجماعات العربية القديمة، ولا سيما في جنوب الجزيرة العربية. وترتبط هذه المكانة، وفق التفسيرات التي تتناولها المادة، بطبيعة البيئة الصحراوية وما فرضته من علاقة خاصة بين الإنسان والليل والسماء.

وعلى عكس الحضارات القديمة، حظيت الشمس بمكانة مركزية في الحضارة المصرية القديمة، حيث ارتبطت برع ودورة الخلق والملك والبعث، ويكشف اختلاف المكانة بين الشمس والقمر من حضارة إلى أخرى عن علاقة الإنسان القديم بالبيئة التي يعيش فيها؛ فالأجرام السماوية لم تكن بالنسبة إليه مجرد أجسام في السماء، وإنما كانت جزءًا من تفسيره للزمن والطبيعة والحياة والموت.

لكن من المهم هنا عدم تعميم الأمر على جميع العرب قبل الإسلام؛ فالمعتقدات والآلهة والطقوس اختلفت بين مناطق الجزيرة العربية وقبائلها وممالكها، كما أن عبادة القمر كانت أوضح في بعض مناطق جنوب الجزيرة العربية منها في غيرها.

الشمس الحارقة.. والقمر الهادئ

تقدم البيئة تفسيرًا مهمًا لهذه المكانة. ففي المناطق الصحراوية شديدة الحرارة، كانت الشمس مرتبطة بالحرارة القاسية والعطش وصعوبة الحركة خلال ساعات النهار، خصوصًا في فصل الصيف.

أما الليل فكان يوفر ظروفًا أكثر ملاءمة للحياة والتنقل، وكان ضوء القمر يساعد المسافرين وأفراد القوافل على رؤية الطريق، في وقت تنخفض فيه درجات الحرارة.

ومن هنا يمكن فهم التباين الرمزي بين الشمس والقمر في المخيلة الصحراوية: الشمس قوة حارقة، بينما القمر نور هادئ يظهر في الوقت الذي تبدأ فيه حركة الإنسان بعد انحسار حرارة النهار.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن العرب اتخذوا القمر إلهًا بسبب حرارته المنخفضة، وإنما يساعد هذا العامل البيئي في تفسير لماذا أصبح للقمر حضور رمزي وعملي مهم في ثقافات الجزيرة العربية القديمة.

القمر ودليل المسافر

كانت السماء بالنسبة إلى سكان الصحراء أشبه بخريطة مفتوحة، وكانت معرفة النجوم ومواقع الأجرام السماوية ذات قيمة عملية كبيرة.

والقمر، بسبب تغير أطواره وانتظام دورته، كان وسيلة واضحة لقياس الزمن ومعرفة أجزاء من الشهر، كما أن ظهوره في الليل جعل منه عنصرًا حاضرًا في حياة المسافرين والقوافل.

ولهذا ارتبطت حركة القمر في الثقافات العربية القديمة بحساب الزمن والمواسم والطقوس، قبل أن يصبح التقويم القمري لاحقًا جزءًا أساسيًا من الثقافة العربية والإسلامية.

القمر في معتقدات جنوب الجزيرة العربية

تظهر أهمية القمر بصورة أوضح في النقوش والمعتقدات الدينية التي عُرفت في جنوب الجزيرة العربية القديمة، خصوصًا في ممالك مثل سبأ ومعين وقتبان وحِمْيَر.

وعرفت هذه المجتمعات منظومات دينية متعددة، ارتبط فيها عدد من الآلهة بالسماء والأجرام السماوية.

ومن أشهر الآلهة التي ترد في الدراسات المتعلقة بالديانات العربية الجنوبية القديمة الإله «سين»، الذي ارتبط بالقمر في بعض التقاليد والنقوش، إلى جانب آلهة أخرى ارتبطت بالشمس والزهرة وغيرها من مظاهر الطبيعة والسماء.

وهنا تظهر أهمية عدم اختزال ديانات العرب القدماء في «عبادة القمر» وحدها؛ فالمشهد الديني كان أكثر تعقيدًا، وتنوعت الآلهة والرموز والطقوس من مملكة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى.

لماذا كان القمر أهم من الشمس؟

السؤال نفسه يحتاج إلى بعض التحفظ؛ فليس من الدقة القول إن العرب عمومًا قدسوا القمر أكثر من الشمس. لكن في بعض التقاليد العربية الجنوبية القديمة، كان للقمر مكانة دينية بارزة.

ويمكن تفسير هذا الحضور من خلال مجموعة من العوامل:

أولًا: البيئة:
الليل في البيئة الصحراوية أكثر ملاءمة للسفر والعمل من النهار شديد الحرارة.

ثانيًا: الزمن:
القمر يتغير بصورة واضحة ومنتظمة عبر أطواره، ولذلك أصبح مرتبطًا بحساب الشهور والمواسم.

ثالثًا: السفر:
كان ظهور القمر ليلًا يوفر قدرًا من الضوء يساعد على الحركة في الصحراء.

رابعًا: الرمزية الدينية:
ارتبطت الأجرام السماوية في ديانات الشرق القديم بالقوى الإلهية والنظام الكوني، ولم يكن جنوب الجزيرة العربية استثناءً من ذلك.

وماذا عن اللغة العربية؟

تقدم اللغة العربية بعض الصور اللافتة في التعامل مع الشمس والقمر، لكنها لا تصلح وحدها دليلًا على العقائد الدينية القديمة.

فكلمة الشمس مؤنثة في العربية، بينما كلمة القمر مذكرة، وورد في اللغة تعبير «القمران» للدلالة على الشمس والقمر معًا.

وقد ارتبطت الشمس في المخيلة الشعرية العربية بالحرارة والقوة والضياء، بينما ارتبط القمر بالجمال والنور في الليل والهداية، خصوصًا في الشعر العربي.

لكن هذه الدلالات اللغوية والأدبية لا تعني بالضرورة أن العرب كانوا يرون القمر إلهًا أو أن تذكيره وتأنيث الشمس يعكسان عقيدة دينية محددة؛ فاللغة تتطور وتحتفظ بصور واستعارات قديمة دون أن تبقى مرتبطة بالمعتقد الذي نشأت في سياقه.

من المعتقد إلى التقويم

ربما يكون أهم أثر للقمر في الثقافة العربية أنه لم يظل رمزًا دينيًا أو شعريًا، وإنما أصبح عنصرًا أساسيًا في تنظيم الزمن.

فالدورة القمرية الواضحة كانت أساسًا طبيعيًا لحساب الشهور، وهو ما جعل التقويم القمري جزءًا مهمًا من المجتمعات التي اعتمدت عليه.

ومع الإسلام أصبح التقويم الهجري تقويمًا قمريًا، وأصبحت رؤية الهلال مرتبطة ببداية الشهور، وفي مقدمتها شهر رمضان وشوال وذي الحجة.

لكن هذا الاستخدام الإسلامي للقمر في حساب الشهور لا يعني استمرار عبادة القمر؛ فالإسلام رفض عبادة الأجرام السماوية، وجعل الشمس والقمر آيتين من آيات الله، وليسَا آلهة تُعبد.

القمر.. صديق الليل في الصحراء

وهكذا فإن الحديث عن تقديس القمر عند العرب قبل الإسلام يحتاج إلى الابتعاد عن التعميم. فقد كانت الجزيرة العربية فضاءً واسعًا يضم شعوبًا وممالك وقبائل وتقاليد دينية متعددة.

وفي بعض هذه البيئات، خصوصًا جنوب الجزيرة العربية، احتل القمر مكانة بارزة في المعتقدات، وربما ساعدت البيئة الصحراوية ودورة القمر واستخدامه في حساب الزمن والسفر ليلًا على تعزيز حضوره في المخيلة.

أما القول إن العرب جميعًا «قدسوا القمر أكثر من الشمس» فليس دقيقًا تاريخيًا.

والأقرب أن القمر، في بعض التقاليد العربية القديمة، جمع بين الوظيفة العملية والرمزية الدينية والجمالية؛ كان علامة في السماء، ووسيلة لمعرفة الزمن، ورفيقًا للمسافر في الليل، وفي بعض المجتمعات ارتبط كذلك بعالم الآلهة والمعتقدات. وهذه المكانة المتعددة هي التي جعلت القمر واحدًا من أكثر الأجرام حضورًا في ذاكرة وثقافة العرب القدماء.

✎

فريق تحرير اعرف سبورت

فريق التحرير في اعرف سبورت — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق